أعلن صندوق النقد الدولي في تحديثه الجديد لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي، الثلاثاء، عن خفض توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال العام الحالي إلى ثلاثة بالمئة، مرجعاً هذا التباطؤ بشكل أساسي إلى التداعيات الاقتصادية العميقة الناجمة عن تصاعد الصراع العسكري في منطقة الشرق الأوسط واستمرار اضطرابات الملاحة والتجارة في مضيق هرمز، وهو الممر المائي الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية.
وأوضح الصندوق أن هذه التوترات الجيوسياسية باتت تشكل التهديد الأبرز لتعافي الاقتصاد الدولي، مما أدى إلى عرقلة مسار خفض التضخم الذي بدأ منذ أوائل عام ألفين وأربعة وعشرين، ودفع الخبراء إلى إعادة تقييم المخاطر المحدقة بالأسواق العالمية ورفع توقعات التضخم العالمي إلى أربعة فاصلة سبعة بالمئة لهذا العام.
ورجح التقرير الصادر حديثاً أن يبلغ متوسط السعر العالمي لخام النفط حوالي تسعة وثمانين دولاراً للبرميل خلال العام الحالي، ما يمثل زيادة حادة بنسبة اثنين وثلاثين بالمئة مقارنة بمتوسط الأسعار المسجل في العام الماضي، وتزامن ذلك مع توقعات بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي بنسبة اثنين وعشرين بالمئة.
وحذر خبراء الصندوق من أن هذا الارتفاع الكبير في تكاليف الطاقة، إلى جانب قفزة متوقعة بنسبة ستة وعشرين بالمئة في أسعار الأسمدة الكيماوية وزيادة تكاليف الشحن البحري، سيلقي بظلاله مباشرة على الأمن الغذائي العالمي، حيث من المتوقع أن ترتفع أسعار المواد الغذائية عالمياً بنسبة ثمانية بالمئة، مما يفاقم الأعباء المعيشية على المستهلكين وخاصة في الدول النامية ومستوردي السلع الأساسية الذين لا يمتلكون مرونة كافية لمواجهة هذه الصدمات المتتالية.
وفي مقابل هذه المؤشرات القاتمة المرتبطة بالطاقة والحروب، أشار صندوق النقد الدولي إلى وجود قوة دفع عكسية إيجابية ساهمت في منع حدوث ركود اقتصادي أعنف، وتمثلت في الطفرة التكنولوجية المتسارعة والاستثمارات الضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي.
وأوضح التقرير أن الطلب المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية ساعد في إنعاش النشاط الاقتصادي في دول رئيسية مصدّرة لهذه التكنولوجيات مثل تايوان وكوريا الجنوبية وماليزيا وتايلاند، مما خفف جزئياً من وطأة صدمة أسعار النفط، بينما تباين الأداء في الاقتصادات الكبرى الأخرى، حيث خُفضت توقعات النمو لمنطقة اليورو إلى صفر فاصلة تسعة بالمئة ولفرنسا إلى صفر فاصلة ستة بالمئة، في حين استقرت توقعات نمو الاقتصاد الأمريكي عند اثنين فاصلة ثلاثة بالمئة، وشهدت الصين تحسناً طفيفاً لتصل التوقعات إلى أربعة فاصلة ستة بالمئة.
واختتم الصندوق تحذيراته بالإشارة إلى أن التوقعات الحالية مبنية على فرضية البدء في إعادة فتح مضيق هرمز تدريجياً، مؤكداً أن أي تصعيد عسكري جديد أو إغلاق طويل الأمد للمضيق سيعيد الاقتصاد العالمي إلى نقطة حرجة وأكثر ضعفاً من ذي قبل، نظراً لأن الاحتياطيات الاستراتيجية للنفط في العديد من الدول بدأت تقترب من مستويات متدنية للغاية قد تدفع نحو موجات هلع واكتناز تجاري ترفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
وبناءً على هذه المعطيات، أوصى الصندوق البنوك المركزية بضرورة مواصلة إعطاء الأولوية القصوى لاستقرار الأسعار ومكافحة التضخم، ودعا الحكومات إلى تبني سياسات مالية حذرة وإعادة بناء الهوامش الوقائية مع تقديم دعم مؤقت وموجه بدقة للفئات الأكثر تضرراً من غلاء المعيشة.



