شهدت الساعات الماضية تدهوراً دراماتيكياً خطيراً في الشرق الأوسط، حيث تبادلت الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ضربات عسكرية عنيفة ومباشرة أسفرت عن انهيار الهدنة الهشة التي تم التوصل إليها مؤخراً، وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسمياً اليوم، الأربعاء، انتهاء العمل بمذكرة التفاهم التي تم توقيعها في العاصمة الباكستانية، واصفاً قادة النظام الإيراني بأوصاف حادة، ومؤكداً عدم رغبته في الاستمرار بالتعامل معهم، لتتدحرج المنطقة مجدداً نحو حافة المواجهة الشاملة بعد أسابيع قليلة من التهدئة الزائفة.
وبدأت فصول الأزمة الأخيرة عندما قامت القوات الإيرانية باستهداف ثلاث سفن تجارية وناقلات نفط وغاز أثناء عبورها مضيق هرمز، من بينها ناقلة غاز مسال قطرية وناقلة نفط سعودية عملاقة وأخرى ترفع علم جزر مارشال، حيث كانت هذه السفن تسلك المسار الجنوبي المحاذي لسواحل سلطنة عمان، وجاءت الهجمات الإيرانية بعد فرض طهران شروطاً صارمة على الملاحة الدولية في المضيق تلزم السفن بطلب الإذن المسبق والتنسيق عبر قنوات بحرية محددة، معتبرة أن أي خروج عن هذه المسارات يمثل انتهاكاً لسيادتها.
وجاء الرد الأمريكي سريعاً وصاعقاً عبر القيادة المركزية الأمريكية التي شنت عملية عسكرية وصفتها بـ “الهجومية”، في تحول لافت عن طبيعة الضربات الدفاعية السابقة، حيث استهدفت الطائرات الأمريكية والقطع البحرية أكثر من 80 موقعاً حيوياً داخل الأراضي الإيرانية وعلى طول خطها الساحلي، وركزت الهجمات بشكل دقيق على تدمير البنية التحتية لشبكة الهجوم البحري التابعة للحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك رادارات المراقبة الساحلية، ومنظومات الدفاع الجوي، ومواقع إطلاق الصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيرة، بالإضافة إلى تدمير أكثر من 60 زورقاً حربياً سريعاً في محيط جزيرة قشم وميناء بندر عباس ومدينة سيريك، مما أسفر عن اندلاع حرائق واسعة في الأرصفة البحرية وقوارب الصيد وإصابة عدد من المدنيين جراء الشظايا وفقاً للتلفزيون الإيراني.
وبالتزامن مع المدافع والمنظومات الصاروخية، تحركت واشنطن على الجبهة الاقتصادية لتوجه ضربة قاصمة للاتفاق، إذ ألغت وزارة الخزانة الأمريكية الرخصة العامة المؤقتة التي مُنحت لطهران الشهر الماضي لبيع النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية في الأسواق العالمية، وأعطت مهلة تنتهي في السابع عشر من يوليو الجاري لإنهاء كافة المعاملات الجارية، وهو ما اعتبرته وزارة الخارجية الإيرانية خرقاً علنياً وفاضحاً للمادة العاشرة من مذكرة إسلام آباد، محملة الإدارة الأمريكية كافة العواقب الوخيمة المترتبة على هذا القرار ومؤكدة أنها ستتخذ كل التدابير اللازمة لحماية أمنها القومي.
ولم يتأخر الرد العسكري الإيراني، إذ أعلن الحرس الثوري الإيراني عن شن هجمات انتقامية واسعة بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة استهدفت 85 منشأة وموقعاً عسكرياً تبيع للولايات المتحدة وحلفائها في كل من البحرين والكويت، ودوت صافرات الإنذار في القواعد الأمريكية بتلك الدول، في حين أعلن الجيش الكويتي أن منظومات الدفاع الجوي نجحت في اعتراض وتدمير معظم الأهداف العادية والمعادية فوق أجوائه، مقتصراً الأثر على أضرار طفيفة في شبكة نقل الكهرباء نتيجة سقوط الشظايا والأنقاض.
وبهذا التصعيد المتبادل، تكون “مذكرة إسلام آباد للتفاهم” التي تم توقيعها برعاية باكستانية ووساطة دولية في منتصف شهر يونيو الماضي قد دخلت مرحلة الموت السريري، حيث كان الاتفاق يقضي بوقف كامل للعمليات العسكرية على كافة الجبهات بما فيها لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز وتجميد الحصار البحري الأمريكي مقابل تجميد تخصيب اليورانيوم الإيراني والسماح بتدفق النفط، إلا أن غياب آليات الإنفاذ الحقيقية والخلافات العميقة حول توقيت رفع العقوبات عجلت بانهيار الهدنة وإعادة فتح الصراع على مصراعيه، وسط ترقب دولي لمدى تأثير هذا التراشق على أسعار الطاقة العالمية ومستقبل الاستقرار في المنطقة.



