انطلقت في العاصمة التركية أنقرة اليوم، الثلاثاء، فعاليات القمة السادسة والثلاثين لرؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بمشاركة قادة الدول الـ32 الأعضاء، في قمة تاريخية ومصيرية تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات العابرة للأطلسي تحولات جوهرية.
واستقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الأمريكي دونالد ترامب فور وصوله على متن طائرة الرئاسة إلى قاعدة “إيتيمسغوت” الجوية، لتبدأ الفعاليات الرسمية من المجمع الرئاسي الشاسع، حيث تهيمن على جدول الأعمال ضغوط واشنطن المستمرة لدفع الحلفاء الأوروبيين وكندا نحو الاعتماد على أنفسهم وتحمل العبء الأكبر لحماية القارة الأوروبية.
وتأتي هذه القمة وسط تدابير أمنية مشددة للغاية فرضتها السلطات التركية، شملت حظر جميع المظاهرات والتجمعات العامة في العاصمة حتى العاشر من يوليو، ومنح إجازات إدارية لبعض الموظفين لتخفيف الازدحام، في حين شنت قوات الأمن حملة توقيفات استهدفت متظاهرين ومناهضين للحلف لمنع أي تشويش على أعمال القمة.
وتتصدر مسألة الإنفاق الدفاعي وطروحات الإدارة الأمريكية لإعادة هيكلة الحلف أو ما يعرف برؤية “ناتو 3.0” النقاشات الرسمية، حيث يضغط الرئيس ترامب بقوة لتقليص الوجود العسكري التقليدي لبلاده في أوروبا وتحويل الاهتمام الأمريكي نحو مناطق أخرى، معتبراً أن استمرار مستويات الدعم الحالية عبء غير عادل على الميزانية الأمريكية التي بلغت 901 مليار دولار (ما يعادل 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي).
ويسعى القادة الأوروبيون خلال القمة إلى استعراض جهودهم لتهدئة المخاوف الأمريكية، مستندين إلى مخرجات قمة لاهاي السابقة وزيادة استثماراتهم الدفاعية بأكثر من 139 مليار دولار، إلى جانب مراجعة خططهم الرامية للوصول بالإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهو ما تراه واشنطن خطوة ضرورية للانتقال الفعلي من مرحلة “تقاسم الأعباء” إلى مرحلة “نقل المسؤولية الدفاعية بالكامل لشهود أوروبا”.
وإلى جانب المعارك المالية الحامية داخل أروقة المجمع الرئاسي، تشهد القمة حراكاً دبلوماسياً لافتاً في الملفات الإقليمية الساخنة وخاصة تداعيات الصراع الأخير في إيران، حيث يبحث الوزراء الحلفاء مع شركائهم من دول الخليج العربي (البحرين والكويت وقطر والإمارات) سبل حماية الملاحة الدولية في مضيق هرمز وضمان عدم حصول طهران على سلاح نووي.
وفي مسار موازٍ، يُنتظر أن يشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أعمال “مجلس الناتو-أوكرانيا” لبحث حزمة المساعدات العسكرية المقررة لعام 2026 بقيمة 70 مليار يورو، والتي ستتحمل أوروبا والاتحاد الأوروبي الجزء الأكبر منها دون مساهمة مالية أمريكية مباشرة.
كما سيعقد الرئيس ترامب على هامش الاجتماعات لقاءً منفصلاً يوصف بالتاريخي مع الرئيس السوري أحمد الشرع، في حين يستغل الجانب التركي المستضيف هذه القمة لرفع الحظر التجاري الدفاعي بين الحلفاء والمطالبة بإعادة دمج أنقرة في برنامج مقاتلات “F-35” واستعراض قدرات تصنيعها العسكري عبر منتدى صناعات الدفاع المقام على الهامش.



