تقارير

القضاء الشرعي في غزة تحت القصف.. كيف حمى الحقوق ووثّق الحياة وسط الإبادة؟

رغم استشهاد قضاة وتدمير نصف مقار المحاكم وحرق الأرشيف التاريخي، واصل القضاء الشرعي في غزة عمله وأنجز مئات آلاف المعاملات خلال الحرب.

في وقتٍ طالت فيه آلة الحرب الإسرائيلية مختلف مناحي الحياة في قطاع غزة، وجد القضاء الشرعي نفسه أمام واحدة من أعقد المراحل في تاريخه الحديث، بعد أن تعرضت مقاره للقصف والتدمير، وفقد عدداً من قضاته وموظفيه، فيما التهمت النيران أجزاءً واسعة من أرشيفه التاريخي الذي تعود بعض وثائقه إلى العهد العثماني.

ورغم حجم الخسائر البشرية والمادية، لم تتوقف المحاكم الشرعية عن أداء مهامها، بل ابتكرت آليات عمل بديلة لضمان استمرار الخدمات القانونية والشرعية للمواطنين، في ظل تزايد الحاجة إلى معاملات الزواج والطلاق والإرث وإثبات الوفاة والوصاية على الأيتام.

العمل القضائي من المنازل والخيام

وقال رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي في غزة، الشيخ الدكتور حسن الجوجو، إن القضاء الشرعي واجه تحديات استثنائية منذ اندلاع الحرب، بعدما دمرت قوات الاحتلال نحو 50% من مقار المحاكم الشرعية، واستشهد عدد من القضاة والموظفين العاملين فيها.

وأوضح الجوجو أن القضاة بادروا خلال الأسابيع الأولى للحرب إلى فتح منازلهم أمام المواطنين لاستقبال المراجعين وإنجاز المعاملات العاجلة، قبل الانتقال لاحقاً إلى إنشاء نقاط عمل ثابتة داخل المؤسسات الخدمية ومراكز النزوح.

وأضاف أن هذه الخطوات ساهمت في الحفاظ على استمرارية العمل القضائي ومنع تعطّل مصالح المواطنين، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالحقوق الأسرية والمعاملات الشرعية الأساسية.

خسائر بشرية ومادية

وبحسب الجوجو، استشهد ثلاثة قضاة شرعيين وعشرات الموظفين والمأذونين خلال الحرب، ما أدى إلى تراجع عدد العاملين في الجهاز القضائي، بالتزامن مع تدمير مقار المحاكم ومركباتها وأجهزتها ومطبوعاتها الرسمية.

كما تعرض الأرشيف الورقي للمحاكم الشرعية للحرق والتلف، بما يشمله من وثائق وسجلات تاريخية تمتد لعقود طويلة، إلا أن الأرشفة الإلكترونية المسبقة لنحو 80% من السجلات والدعاوى ساعدت في الحد من آثار هذه الخسارة.

ملف المفقودين.. القضية الأكثر تعقيداً

ويُعد ملف المفقودين من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً التي خلفتها الحرب، إذ تشير التقديرات إلى وجود آلاف المفقودين الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً بين من هم تحت الأنقاض أو داخل السجون الإسرائيلية.

وأكد الجوجو أن القضاء الشرعي يتعامل مع هذه القضايا بحذر قانوني شديد، تجنباً لأي أخطاء قد تؤثر على حقوق الورثة أو الأسر، مشيراً إلى أن لجنة وطنية متخصصة تتابع ملفات المفقودين قبل اتخاذ أي إجراءات قانونية نهائية.

وفي هذا السياق، تمكنت المحاكم الشرعية من إثبات نحو 10 آلاف حالة وفاة لشهداء لم تُدفن جثامينهم أو تعذر الوصول إليها، ما أتاح لذويهم استكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بالإرث والوصاية والحقوق الأسرية.

أرقام تكشف حجم العمل

ورغم ظروف الحرب، أنجز القضاء الشرعي مئات آلاف المعاملات منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، شملت معاملات الزواج والطلاق والإرث وإثبات الوفاة والوصاية والولاية وحصر الإرث.

وكشف الجوجو أن عدد عقود الزواج الموثقة خلال الحرب تجاوز 57 ألف عقد حتى نهاية مايو/أيار الماضي، مسجلاً زيادة تفوق 10% مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب.

وأرجع ذلك إلى إصرار الفلسطينيين على مواصلة حياتهم وتكوين أسر جديدة رغم ظروف النزوح والدمار، إلى جانب انخفاض تكاليف ومتطلبات الزواج مقارنة بالسنوات السابقة.

في المقابل، بلغت حالات الطلاق نحو 8700 حالة، وهي أرقام وصفها بأنها ضمن المعدلات الطبيعية ولم تشهد ارتفاعاً استثنائياً، ما يعكس قدرة المجتمع الفلسطيني على الحفاظ على تماسكه الأسري رغم الضغوط النفسية والاقتصادية الهائلة.

حماية حقوق الأيتام والأرامل

وشكلت قضايا الأيتام والأرامل جانباً رئيسياً من عمل المحاكم الشرعية خلال الحرب، إذ جرى إنجاز معاملات الوصاية والولاية وحصر الإرث دون تراكم يُذكر.

وأوضح الجوجو أن أموال القاصرين تُحفظ عبر آليات قانونية وبالتعاون مع صندوق أيتام فلسطين، بما يضمن صون حقوقهم المالية واستثمارها حتى بلوغهم السن القانونية.

كما واصلت المحاكم النظر في قضايا الحضانة وإثبات الترمل والنفقات وغيرها من القضايا المرتبطة بحماية الفئات الأكثر تضرراً من الحرب.

عودة تدريجية رغم الدمار

ومع استمرار عمل المحاكم من مقرات مؤقتة ومراكز بديلة، أكد الجوجو أن القضاء الشرعي تمكن من استعادة نحو 90% من قدرته التشغيلية مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.

وأشار إلى أن القضاة والموظفين يواصلون العمل لساعات طويلة، سواء داخل المحاكم أو من منازلهم، بهدف تسريع إنجاز المعاملات والتخفيف عن المواطنين الذين أنهكتهم الحرب والنزوح.

وختم بالتأكيد على أن القضاء الشرعي سيواصل أداء رسالته في حماية الحقوق وصون الاستقرار الأسري والمجتمعي، رغم ما تعرض له من استهداف مباشر وخسائر جسيمة خلال الحرب.

المصدر: وكالات .