انطلقت في منتجع “بورغنشتوك” الفاخر المطل على بحيرة لوسيرن بسويسرا اليوم، الأحد، جولة مفاوضات فنية وعسكرية حاسمة ومباشرة بين وفدي الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية برعاية دولية، وبوساطة مشتركة تقودها دولة قطر وجمهورية باكستان الإسلامية.
وتهدف هذه المحادثات التي بدأت صباح اليوم الأحد إلى استكمال ومناقشة الآليات التنفيذية لبنود “مذكرة التفاهم” المكونة من 14 نقطة والتي وُقعت في السابع عشر من يونيو الجاري بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لإنهاء الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وسط أجواء دبلوماسية مشددة وضغوط ميدانية متصاعدة نتيجة استمرار العمليات العسكرية.
ويترأس الوفد الأميركي نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الذي التقى على هامش الاجتماعات برئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ويضم الوفد الأميركي أيضاً المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر اللذين تواجدا في الموقع لإدارة الأبعاد الفنية للملفات، بينما يقود الوفد الإيراني رئيس مجلس الشورى الإسلامي محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي برفقة مسؤولين رفيعي المستوى من البنك المركزي الإيراني ووزارة النفط، مما يعكس التركيز الإيراني الكبير على الملفات الاقتصادية والمالية ورفع العقوبات، في حين يشارك في الوساطة إلى جانب رئيس الوزراء الباكستاني وقائد الجيش عاصم منير، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.
وتأتي هذه الجولة الفنية الممتدة لستين يومًا كمرحلة أولى تهدف إلى ترسيخ الالتزام الكامل ببنود مذكرة التفاهم وبناء الثقة قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية التي ستناقش ملفات أكثر تعقيداً مثل البرنامج النووي الإيراني.
حيث أوضحت وزارة الخارجية القطرية في بيان رسمي لها أنه تم تشكيل مجموعات فنية تخصصية وفِرق خبراء للتفاوض على صياغة الاتفاق النهائي الشامل، بالإضافة إلى إنشاء مجموعات متابعة وهيئات مراقبة مشتركة للإشراف على ما يتم إحرازه من تقدم وضمان تنفيذ التعهدات المتبادلة بروح إيجابية وطرق دبلوماسية مستدامة.
وقد واجهت هذه المفاوضات عقبات ميدانية تسببت في تأجيل انطلاقها الذي كان مقرراً يوم الجمعة الماضي، وذلك بسبب التصعيد العسكري وتبادل القصف بين إسرائيل ولبنان، حيث تتمسك إيران بأن الاتفاق الموقّع يتضمن وقفًا شاملاً لإطلاق النار في لبنان وتعتبر الهجمات الإسرائيلية المستمرة خرقاً مباشراً له.
بينما أكد رئيس الوفد الإيراني محمد باقر قاليباف قبيل مغادرته طهران أن المفاوضين لن يقبلوا بأقل من التطبيق الكامل للالتزامات الأميركية وحفظ حقوق الشعب الإيراني، في حين تشهد أروقة صنع القرار في واشنطن انقساماً سياسياً داخلياً وضغوطاً من أطراف اليمين بشأن تقديم تنازلات لطهران.
وإلى جانب ملف الجبهة اللبنانية، يفرض أمن الممرات المائية العالمية نفسه كأحد أعقد الملفات المطروحة على طاولة بورغنشتوك، خاصة بعد إعلان بحرية الحرس الثوري الإيراني يوم أمس السبت إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية رداً على الهجمات في لبنان، وهو المضيق الاستراتيجي الذي يتدفق عبره نحو عشرين بالمئة من إمدادات الطاقة العالمية وكان قد أُغلق سابقاً في الثامن والعشرين من فبراير الماضي إثر ضربات عسكرية أميركية وإسرائيلية مشتركة.
ورغم التأكيدات الأميركية بأن الممر المائي ما زال مفتوحاً، فإن الخلاف حول وضعه الحالي يضيف أبعاداً اقتصادية بالغة الحساسية على سير النقاشات، لا سيما مع مطالبة إيران بإنهاء تجميد أصولها المالية والسماح بتصدير النفط كجزء أساسي من تفاهمات التهدئة.
من جانبها، أكدت وزارة الخارجية الاتحادية السويسرية توفير بيئة سرية وموثوقة تضمن للدبلوماسيين مواصلة الحوار بعيداً عن الضغوط الإعلامية، وأشارت إلى أن اللقاء الذي جمع المستشار الفيدرالي السويسري إيفان كاسيس بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يأتي في إطار الدور التاريخي لسويسرا التي تمثل قوة حماية المصالح الأميركية في إيران منذ عام 1980، معتبرة أن مجرد جلوس الأطراف وجهاً لوجه واستمرار القنوات الدبلوماسية المفتوحة يعد مساهمة حيوية وإيجابية لدعم جهود خفض التصعيد وتحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وتجاوز تحديات المهل الزمنية الضيقة والتوقعات العالية المفروضة على هذا المسار.



