تشهد الجامعات الفرنسية تصاعداً ملحوظاً في حدة المواجهة بين السلطات والحركات الطلابية المتضامنة مع فلسطين، وسط اتهامات متزايدة لباريس بتضييق مساحة التعبير داخل الحرم الجامعي عبر إجراءات أمنية وقضائية ومالية تستهدف النشطاء المشاركين في الفعاليات المناهضة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه الطلاب الفرنسيون تنظيم اعتصامات ووقفات احتجاجية للمطالبة بوقف التعاون الأكاديمي والعسكري مع المؤسسات الإسرائيلية، ودعم الطلبة الفلسطينيين الذين تعطلت مسيرتهم التعليمية بفعل الحرب المستمرة على القطاع.
تصاعد الضغوط
منذ اندلاع الحرب على غزة، تحولت الجامعات الفرنسية إلى إحدى أبرز ساحات التضامن مع الفلسطينيين، حيث شهدت عشرات الفعاليات الاحتجاجية التي قادها طلاب وأكاديميون للمطالبة بوقف الحرب ومحاسبة إسرائيل على الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين.
غير أن هذه التحركات واجهت، وفق شهادات طلابية وحقوقية، إجراءات متزايدة شملت التوقيفات والاستدعاءات الأمنية والإحالات إلى المجالس التأديبية داخل الجامعات، في وقت تؤكد فيه السلطات الفرنسية أن تدخلاتها تأتي في إطار تطبيق القانون والحفاظ على النظام العام.
ويرى ناشطون أن هذه السياسات تعكس توجهاً رسمياً لتقييد الحراك المؤيد لفلسطين، خاصة مع تزايد حضور القضية الفلسطينية داخل الأوساط الطلابية الفرنسية خلال العامين الأخيرين.
العقاب المالي
إلى جانب الإجراءات الأمنية، برزت الغرامات المالية كأداة جديدة للضغط على النشطاء الطلابيين، ففي احتجاجات شهدتها باريس خلال أبريل الماضي، فرضت السلطات غرامات مالية وصلت إلى 400 يورو على أكثر من 70 طالباً شاركوا في فعاليات مناصرة لفلسطين، فيما تجاوز إجمالي الغرامات عشرات الآلاف من اليوروهات.
وتقول رانيا، العضو في لجنة فلسطين بجامعة السوربون، إن السلطات انتقلت من سياسة الاعتقالات المباشرة إلى الضغط المالي، معتبرة أن استهداف الطلاب اقتصادياً يهدف إلى ردعهم عن المشاركة في أي أنشطة احتجاجية مستقبلية.
ويحذر ناشطون من أن هذه الإجراءات تشكل عبئاً كبيراً على الطلاب، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يواجهها كثير منهم.
السوربون بالمواجهة
احتلت جامعة السوربون موقعاً متقدماً في مشهد الاحتجاجات الطلابية الداعمة لفلسطين، حيث شهدت خلال الأشهر الماضية اعتصامات ومظاهرات متكررة احتجاجاً على الحرب الإسرائيلية وعلى علاقات التعاون القائمة بين بعض المؤسسات الأكاديمية الفرنسية ونظيراتها الإسرائيلية.
وخلال إحدى الفعاليات المؤيدة لغزة، أوقفت الشرطة الفرنسية عشرات الناشطين بعد تدخلها داخل الحرم الجامعي، في خطوة أثارت انتقادات واسعة من قبل منظمات حقوقية واتحادات طلابية.
ويؤكد طلاب مشاركون في الحراك أن وجود الشرطة داخل الجامعات بات أكثر تكراراً من السابق، معتبرين أن ذلك يمثل تحولاً خطيراً في التعامل مع النشاط السياسي داخل المؤسسات التعليمية التي عُرفت تاريخياً بأنها فضاء للنقاش الحر والعمل النقابي.
ملاحقات قضائية
بالتوازي مع التضييق الأمني، تواجه شخصيات طلابية وناشطون مؤيدون لفلسطين ملاحقات قضائية على خلفية مواقفهم السياسية أو منشوراتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأثارت عدة قضايا جدلاً داخل فرنسا، من بينها قضية الطالبة “تيبا” في جامعة باريس 1 بانتيون-السوربون، التي واجهت اتهامات بمعاداة السامية بسبب نشاطها الرقمي المرتبط بالقضية الفلسطينية.
كما حذر حقوقيون من التوسع في استخدام تهمة “الترويج للإرهاب” بحق ناشطين ومتضامنين مع الفلسطينيين، معتبرين أن هذه التهم تُستخدم أحياناً لتقييد حرية التعبير وإسكات الأصوات المنتقدة للسياسات الإسرائيلية.
وفي السياق ذاته، أثار مشروع قانون “يادان” جدلاً واسعاً قبل سحبه، بعدما اعتبره معارضوه محاولة لتجريم المواقف المناهضة للصهيونية داخل الجامعات الفرنسية.
مطالب الحراك
ورغم الضغوط المتزايدة، يؤكد الطلاب استمرار تحركاتهم دفاعاً عن القضية الفلسطينية. وتتمثل أبرز مطالب الحراك في وقف الشراكات الأكاديمية مع الجامعات الإسرائيلية والشركات المرتبطة بالصناعات العسكرية، إلى جانب دعم الطلبة الفلسطينيين المتضررين من الحرب وتسهيل استكمال تعليمهم في فرنسا.
كما يطالب المحتجون إدارات الجامعات بالالتزام بالقيم الإنسانية والأكاديمية، ورفض أي تعاون مع مؤسسات يرون أنها مرتبطة بالانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين.
ويعتبر الطلاب أن تضامنهم مع غزة يأتي في إطار الدفاع عن مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، وليس مجرد موقف سياسي عابر.
صراع مفتوح
ومع استمرار الاحتجاجات واتساع دائرة الملاحقات، تبدو المواجهة بين السلطات الفرنسية والحراك الطلابي المؤيد لفلسطين مرشحة لمزيد من التصعيد خلال الفترة المقبلة.
ففي حين تؤكد الحكومة الفرنسية أن إجراءاتها تهدف إلى حماية النظام العام وتطبيق القانون، يرى النشطاء أن ما يجري يعكس تضييقاً متزايداً على الحريات السياسية داخل الجامعات.
وبين الرواية الرسمية ورواية الطلاب، تبقى الجامعات الفرنسية ساحة مفتوحة لصراع يتجاوز حدود الحرم الأكاديمي، ليعكس جدلاً أوسع داخل المجتمع الفرنسي حول الحرب على غزة وحدود حرية التعبير والتضامن مع القضية الفلسطينية.
المصدر : وكالات



