مقالات

الصراع الهاشمي اليماني*

وليد الربوعي

امتد تاريخ هذا الصراع منذ وصول الرسي إلی اليمن قرابة 284هـ الموافق 897م القرن الثالث الهجري، وأخذه في تزييف الحقائق، وضربه خيام الكهنوت حول قلاع الحضارة التي سعی لطمسها.

ومحاولة تأصيله لأنظمة دينية مقيتة، من شأنها أن تحرق عری الحضارة، وتهد مدماك الأمة اليمانية؛ ولعلمه إنه جزء من متاهة لا معنی لها، وحرف من كلمة لا أصل لها في القاموس؛ فقد كان يدرك إن السوسولوجيا التدريجية ستعيد الأشياء إلی مسمياتها لكنه ظل متمسكاً بالسفسطائية الكاذبة، معتمداً علی سرديات الضلال وغباء الانفعال الشعبي الذي نفخ فيه من حقده، ورعاه، وهيّجه، وفتح له منافذ الوصول إلی أعلی مستويات التبعية والانحطاط؛ شريطة أن يكون فيه هو وسلالته الملعونة في مربع القداسة، وهالة التأليه.

 أدرك الرسي إن خطته أحكمت القبضة علی عقول الناس؛ فبدأ بترسيخها كرواية لاشك فيها ولا ريب، وأطلق علی نفسه لقب “الإمام الهادي” وبلغ الرتب الأعلی في عيون الخلق قداسة وبلغ اليمانيون الرتب الدنيا في عيونه من الاستعباد والاستحقار تحت سردية تافهة جعلت من المكاربة والسبئيين إرثاً تقوم بإذلالهم وتحقیرهم، وتتركهم عبيداً لهواشم الخيانة والفرار الذين لم يعرف لهم وطن، ولم يذكر لهم زمن إلا وكان مثقلاً بالخيانات والغدر والتخلي، وهم يمارسون التضاعف والتزييف كلما ألّم بهم الوقت؛ حتی لتجدهم يغيرون ألقابهم وبسرعة البرق. فإذا ما عاد بريقهم انتشوا، وأعلنوا التبجح ورفعوا شعار سيادة الناس، وتطاولوا حتی علی عدالة الله حين يدعون إن الله منحهم مالم يمنح غيرهم.

في تلك الفترة قام الرسي بتأسيس نظام ديني عائم أو جدار حماية نارية، مغلقاً كل الطرق التي تؤدي إليه، حتی أصبح في مأمن، وزاد علی ذلك بأنه أوجد الغرسة الأولی له ولسلالته في تربة التقديس التي يمكن اعتبار تجاوزها كفراً عظيماً، وجب معه غضب الإله وسخط الوالي. كان هذا النظام هو ما سمي بالمذهب الزيدي، وهو ليس مذهباً لو وضع في دائرة القياس المعرفي الديني؛ فالنظام الديني لايمكنه أن يفضّل فئة علی أخری أو يتخذ العرق معياراً للناس فتكون فئة محددة لها أهلية العلاقة بالله وبقية الخلق هم عبارة عن أتباع وعبيد، يقدمون أنفسهم في سبيله وسبيل أفكاره وسلالته. ولعلك تری أن الزيدية هي مجموعة من الاحتياطات الأمنية المكثفة والحواجز المقدسة التي بفضلها يكون الناس تحت رحمة الرسي؛ ففي الفقه الزيدي: لا يجوز تولي الحكم إلا للبطنين وهم الحسن والحسين، ويحرّم علی اليمانيين ذلك! بينما اليمانيون هم أهل الأرض والرسي دخيل لاجئ هو وسلالته فكيف حصل ذلك؟

كان ذلك بسبب الجهل والظلام الدامس الذي يعيشه اليمن، وبفضل الرقة التي تسيطر علی حياة أبناء اليمن، وقد زاد عندهم وهم الخرافة، عندما أوهمهم إن ذلك المذهب، هو مذهب زيد بن علي! لكن الأمر يبقی هنا هل زيد بن علي مشرع وفقيه؟ أم مؤلف؟

فإذا كان مشرّعاً وفقيهاً، فتشريعه سيكون خاصاً بالأرض التي جاء منها وليس من الطبيعي أن يسافر لأرضٍ هرب إليها!

وكيف لم يظهر إلا في اليمن؟

الفكر الرسي..مرجع ديني

ومما يذكر ويدرك ويعرف دون الحاجة إلی نقليات تثبت ذلك هو: إن الرسي قد أوصل مؤلفه إلی مكان الدستور الإلهي المنزل، والمرجعية التي يصل إليها كل خلاف، فأصبح الناس يرونه التشريع الأعظم ويقفون دون تخطيه كون ذلك مثير لغضب الرب.

متخذاً خلف ذلك احتياطات قاتلة تنطلق من تنفيذ أوامر الله عبر نائبه الرسي وفقاً لأمر الله في المذهب الزيدي وهذا الأمر هو الفتك والإجهاز والتطهير لكل من يحاول تجاوز ذلك الأمر العظيم، واستخدام الرعب والإبادة بحق الأفراد والقبائل التي تری إن ذلك ليس حقاً، أو حتی تفكر في رفضه.

وبذلك فقد تمكن من خلال أفكاره الزيدية من السيطرة علی المال والأراضي والناس والحياة وصار بيده الشفاء، وبيده الجنة، وبيده النار، فقدمت إليه النساء كهدايا وقرابين واستفحل في نهش الأعراض والنسل، ودخل في كل صغيرة وكبيرة وكان يأمر من أراد بالطلاق ويأخذ زوجته معللاً ذلك بقصة زيد في القرآن، وبالمقابل يحرّم علی اليمنيين الزواج من بني هاشم كونهم نطفة طاهرة واليمني رجس، فاستحوذ علی كل شيء وسيقت إليه الأموال والنساء، وقبّل العامة أرجله وتمسحوا به وأتباعه، وطلبوا منه الذرية والبركة.

وقد ساد هذا النموذج القاتل علی امتداد ألف عام، ولك أن تشاهد إن في ثورة 1948  لم يستطع الثوار تقديم شخصية يمنية للحكم كون ذلك كان محرماً في الفقه الزيدي، والناس يرون في تقديم غير البطنين جرماً عظيماً، وبالتالي فما كان منهم إلا تقديم إمام دستوري من السلالة.

الهادوية.. جدار الحماية الثاني

رأی الرسي إنه لابد من تأسيس نظام ديني احتياطي، يكون قادراً علی احتواء الموقف إذا سقطت الزيدية فأسس الهادوية وهو نظام شيعي كهنوتي لا يختلف عن سوق السرديات المزيفة لتخويف الناس وإذلالهم وإبقائهم رهن بيت الطاعة، وبقت الهادوية في حالة جهوزية في أحد كطقس فعلي في المحابشة أحد معاقلهم التي سيطروا عليها بعد صعدة.

وكانت الهادوية كمرجع داخلي للسلالة الهاشمية أولاً في حال وجود خلاف، ومرجع احتياطي في حال أي تمرد علی الزيدية في مناطق شمال الشمال اليمني.

طول المرحلة وبقاء الخرافة

رغم إن المرحلة الزمنية التي تعاقبت فيها الأسر الهاشمية، على السيطرة على مناطق شمال الشمال منذ المؤسس الأول؛ إلا إن ذلك لم يغير من نظرتهم الفوقية تجاه اليمنيين، وبقت أفكارهم الفئوية في الفكر الزيدي هي التي تدير الناس بخرافة التفضيل الإلهي، وتمارس إذلال العوام بمنطق السادة والعبيد، وتوغلت بالعزل للناس وتجهيلهم حتى صارت القبائل اليمنية جند الخرافة التي تقاتل من أجل الله وآل بيت النبوة، وهذا ما أثر بالفعل في الذهنية اليمنية فصار الشعب هو الحصن المنيع الذي يحمي الرسي فيه ضلاله.

الطبقاتية.. تقسيم “رسي” للمجتمع اليمني

بعد أن وجد الرسي نفسه في مربع التأليه؛ عمد إلى تقسيم المجتمع إلى طبقات عدة، بعضها فوق بعض؛ فالهاشمي هو الأرقی والأفضل وله يجوز كل شيء وهو نسل الطهر، وأما القبيلي فقد جعله كتابع له وعبد ينفذ أوامره (عكفي) وأوجد ما يسمی بالمزيّن، والخادم، والعطعط.. وقسم بينهم حتی الأزياء وطريقة الإرتداء، ومنع عن بعضهم ارتداء الجنبية. ثم أخذ بتوزيع المهن واحتقار بعضها وترتيب المجتمع بما يخدم سلالته ويصل في النهاية إليه كل شيء.

لقد ظل الصراع الهاشمي اليمني قائماً متأرجحاً بين الحدة والانخفاض، عبر مراحل الزمن المختلفة، اشتد منذ عام 1900 في أيام حميد الدين حتى سقطوهم في ثورة سبتمبر1962م.

 مهما حاول إنكاره البعض أو التقليل من شأنه إلا إنه من أهم الأشياء التي يجب الكتابة عنها، في الصحافة والتحدث عنها إعلامياً، لتبقی قائمة تحمل القضية اليمنية التاريخية التي يجري التآمر عليها، وتبذر روحية المقاومة في نفوس الأجيال؛ فإن الأرض لأبنائها والمستقبل لأهله والتاريخ الحميري اليمني العظيم قادر على العودة ولو بعد حين.

*المقال الفائز بالمركز الثاني مكرر في مسابقة الوعل اليمني لأفضل مقال صحفي للعام 2026م