القدس المحتلة _ الوعل اليمني
تتسارع الخطوات الإسرائيلية في الضفة الغربية بوتيرة غير مسبوقة، وسط مؤشرات متزايدة على انتقال المشروع الاستيطاني من مرحلة التوسع التدريجي إلى مرحلة إعادة رسم الواقع الجغرافي والديموغرافي بشكل أكثر عمقاً. وفي هذا السياق، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن مخططات جديدة تتضمن بناء آلاف الوحدات الاستيطانية، بالتوازي مع مشاريع أوسع تهدف إلى إنشاء مستوطنات جديدة وإعادة إحياء أخرى أُخليت قبل نحو عقدين.
ووفق المعطيات التي أعلنتها الهيئة، فإن مجلس التخطيط الأعلى التابع للإدارة المدنية الإسرائيلية يستعد لمناقشة حزمة من المخططات الاستيطانية تشمل الدفع ببناء ما لا يقل عن 2721 وحدة استيطانية جديدة في عدد من مستوطنات الضفة الغربية، إلى جانب مخططات تنظيمية وهيكلية تستهدف توسيع نفوذ المستوطنات وتعزيز بنيتها القانونية والتخطيطية.
وتتوزع الوحدات المقترحة على عدة مناطق، أبرزها بناء 1006 وحدات في مستوطنة “جفعوت” غرب بيت لحم، و922 وحدة في مستوطنة “هار براخا” جنوب نابلس، و455 وحدة في مستوطنة “ميفو دوتان” غرب جنين، إضافة إلى 234 وحدة في مستوطنة “كريات أربع” شرق الخليل ضمن مشروع يهدف إلى إقامة حي استيطاني جديد داخل مدينة الخليل نفسها، وهو ما يمنح المشروع أبعاداً سياسية تتجاوز مجرد التوسع العمراني التقليدي.
من التوسع إلى إعادة تشكيل الخريطة
ولا تبدو هذه المخططات معزولة عن سياق أوسع تشهده الضفة الغربية خلال الفترة الأخيرة، إذ تتقاطع مع ما كشفته مصادر إعلامية إسرائيلية بشأن مشروع استيطاني ضخم يحمل اسم “خطة الربط”، يهدف إلى إنشاء 18 مستوطنة جديدة في شمال الضفة الغربية، بما في ذلك إعادة بناء أربع مستوطنات أُخليت عام 2005 في إطار خطة فك الارتباط، وهي حومش وصانور وجانيم وكاديم.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المشروع يحظى بدعم مباشر من مؤسسات حكومية إسرائيلية ووزارات مركزية، في إطار رؤية استراتيجية أوسع تسعى إلى زيادة أعداد المستوطنين في شمال الضفة الغربية وتعزيز الوجود الاستيطاني في المناطق المصنفة ذات أهمية جغرافية وأمنية.
وبحسب مراقبين، فإن الجمع بين التوسع في المستوطنات القائمة وإنشاء مستوطنات جديدة يعكس تحولاً في السياسة الإسرائيلية من إدارة الصراع على الأرض إلى محاولة تثبيت وقائع دائمة قد تجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر تعقيداً.

أبعاد تتجاوز البناء السكني
ورغم أن الأرقام المتداولة تركز على الوحدات السكنية الجديدة، فإن المخططات المطروحة تشمل أيضاً تعديلات على حدود البناء وتغيير استخدامات الأراضي وتحديث الأنظمة التنظيمية في عدد من المستوطنات الكبرى، من بينها “أرئيل” و”معاليه أدوميم” و”موديعين عيليت”.
ويرى مختصون في شؤون الاستيطان أن هذه الإجراءات تشكل جزءاً من عملية متكاملة تهدف إلى تعزيز البنية القانونية والإدارية للمستوطنات وتحويلها تدريجياً إلى تجمعات حضرية مترابطة وقادرة على التوسع المستقبلي، بما يكرس السيطرة الإسرائيلية على مساحات أوسع من الأراضي الفلسطينية.
كما يلفت مراقبون إلى أن مشروع إقامة حي استيطاني جديد داخل مدينة الخليل يحمل دلالات خاصة، نظراً لحساسية المدينة ومكانتها السياسية والدينية، فضلاً عن تأثيره المحتمل على الواقع الديموغرافي والجغرافي فيها.
مخاوف فلسطينية من تسارع الضم الزاحف
في المقابل، حذرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان من أن المخططات الجديدة تهدد بمزيد من مصادرة الأراضي الفلسطينية وتقطيع التواصل الجغرافي بين المدن والبلدات الفلسطينية، معتبرة أنها تأتي ضمن سياسة “الضم الزاحف” التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وتشير بيانات الهيئة إلى وجود نحو 542 مستوطنة وبؤرة استيطانية في الضفة الغربية، تضم أكثر من 780 ألف مستوطن، في وقت شهدت فيه السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في إنشاء البؤر الاستيطانية الجديدة، خاصة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة.
وفي ظل استمرار النشاط الاستيطاني وتزايد الدعم الحكومي له، تتصاعد التساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تتجه نحو فرض واقع سياسي وجغرافي جديد في الضفة الغربية، يتجاوز حدود التوسع الاستيطاني التقليدي نحو تكريس معادلة ضم فعلي على الأرض، الأمر الذي قد ينعكس بصورة مباشرة على مستقبل حل الدولتين وفرص التسوية السياسية في المنطقة.



