أثار إحياء الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية داخل المؤسسات الرسمية لمدينة نيويورك موجة غضب إسرائيلية واسعة، في مشهد وصفته وسائل إعلام عبرية بأنه يعكس تحولات عميقة ومتسارعة في الخطاب السياسي الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية، خصوصاً مع تصاعد حضور شخصيات تقدمية تتبنى الرواية الفلسطينية بصورة علنية داخل المدن الأمريكية الكبرى.
وتركّز الجدل الإسرائيلي حول عمدة نيويورك زهران ممداني، الذي نشر عبر المنصات الرسمية للمدينة مقطعاً مصوراً تناول فيه النكبة الفلسطينية بوصفها واحدة من أكبر عمليات التهجير القسري في التاريخ الحديث، مؤكداً أهمية الحفاظ على الذاكرة الإنسانية وروايات الناجين الفلسطينيين للأجيال القادمة.
وأشعل الفيديو ردود فعل غاضبة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، حيث اعتبرت الخارجية الإسرائيلية أن الخطوة تمثل “تبنياً للرواية الفلسطينية” ومحاولة لـ”نزع الشرعية” عن دولة الاحتلال، بينما رأت صحف عبرية أن ما جرى يتجاوز مجرد خلاف سياسي ليعكس أزمة متصاعدة في مكانة الرواية الصهيونية داخل الولايات المتحدة.
تحولات الخطاب السياسي الأمريكي
وفي هذا السياق، اعتبر خبير الشؤون الإسرائيلية عوزي رابي أن بروز شخصيات مثل ممداني يمثل مؤشراً على “انهيار الإجماع التقليدي” الداعم لإسرائيل داخل المجتمع الأمريكي، موضحاً أن القضية الفلسطينية لم تعد تُطرح بوصفها نزاعاً حدودياً أو ملفاً دبلوماسياً فحسب، بل باتت جزءاً من خطاب عالمي يرتبط بقضايا العدالة الاجتماعية ومناهضة الاستعمار والتمييز.
وأضاف أن جيلاً جديداً من السياسيين التقدميين، خاصة المنحدرين من خلفيات مهاجرة وأقليات عرقية، بات ينظر إلى فلسطين باعتبارها جزءاً من هويته السياسية والأخلاقية، الأمر الذي منح الرواية الفلسطينية مساحة أوسع داخل النقاشات العامة والمؤسسات السياسية الأمريكية.
وبحسب قراءات إسرائيلية، فإن خطورة هذا التحول لا تكمن فقط في اتساع التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين، بل في انتقال هذا الخطاب من الجامعات والحركات الطلابية إلى مراكز التأثير وصناعة القرار المحلي داخل الولايات المتحدة، وهو ما تعتبره تل أبيب تهديداً استراتيجياً طويل الأمد.
صعود السردية الفلسطينية بأمريكا
كما سلّطت التقارير العبرية الضوء على ما يسمى بـ”التحالف الأحمر الأخضر”، وهو توصيف تستخدمه دوائر إسرائيلية للإشارة إلى تقاطع خطاب اليسار التقدمي مع المواقف المؤيدة للفلسطينيين، في إطار رؤية تعتبر إسرائيل جزءاً من منظومة استعمارية عالمية، وهو ما يثير قلقاً متزايداً لدى المؤسسات الإسرائيلية واللوبيات الداعمة لها في واشنطن.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن هذا التحول يعكس نجاحاً متراكماً لحملات التضامن مع الفلسطينيين، وعلى رأسها حركة المقاطعة (BDS)، التي وإن لم تحقق عزلاً اقتصادياً واسعاً لإسرائيل، إلا أنها نجحت في إعادة تشكيل وعي سياسي جديد داخل الأوساط الشبابية والأكاديمية الأمريكية.
وتزامن ذلك مع تزايد استخدام خطاب حقوق الإنسان والعدالة الدولية في توصيف الواقع الفلسطيني، حيث بات ناشطون وسياسيون أمريكيون يتحدثون عن الاحتلال الإسرائيلي بلغة أخلاقية غير مسبوقة داخل الفضاء السياسي الأمريكي، وهو ما تعتبره إسرائيل انقلاباً تدريجياً على الرواية التي هيمنت لعقود داخل الإعلام والمؤسسات الأمريكية.
شهادات إنسانية توثق النكبة
وفي أحد أكثر المقاطع تأثيراً داخل فيديو النكبة الذي نشرته بلدية نيويورك، ظهرت الفلسطينية الأمريكية إينيا بوشناق وهي تستعيد شهادتها عن تهجير عائلتها من القدس عام 1948، متحدثة عن لحظات الفرار تحت القصف والرصاص، واحتفاظ والدها بمفتاح المنزل طوال سنوات اللجوء بوصفه رمزاً للعودة والذاكرة الفلسطينية.
وقد حظيت هذه الشهادة بتفاعل واسع، فيما اعتبرت صحف عبرية أن التركيز على الروايات الإنسانية للنكبة يسهم في تعزيز السردية الفلسطينية داخل المجتمع الأمريكي، خاصة مع تراجع تأثير الخطاب الإسرائيلي التقليدي لدى قطاعات واسعة من الشباب.
من جهتها، حذّرت وسائل إعلام إسرائيلية من أن اتساع هذا الخطاب داخل مدن مؤثرة مثل نيويورك قد يقود إلى مزيد من الاستقطاب السياسي بين التيارات الأمريكية، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات الموجهة للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.
وخلصت التحليلات الإسرائيلية إلى أن ما يجري لم يعد مجرد سجال إعلامي عابر، بل تحوّل سياسي وثقافي متدرج يمس جوهر العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، في ظل صعود أصوات تعتبر الرواية الفلسطينية جزءاً من معركة عالمية أوسع تتعلق بالعدالة والهوية وحقوق الشعوب.
المصدر : وكالات



