تسعى الصين إلى تعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع توسيع إجراءات الرقابة على مخاطره، في وقت تحتدم فيه المنافسة مع الولايات المتحدة، وسط تساؤلات بشأن مدى التزام الشركات بإعلان نتائج اختبارات السلامة.
وفي هذا السياق، أظهرت تحليلات نشرتها مجلة «الإيكونوميست» وموقع «سيمي أناليسيس» والرابطة الدولية لمحترفي الخصوصية (IAPP)، أن بكين تعمل على تطوير أطر لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، في حين لا تزال نتائج تقييمات سلامة النماذج محدودة من حيث الإفصاح العلني.
ووفق تحليل «الإيكونوميست»، يتضمن إطار صيني محدث لسلامة الذكاء الاصطناعي، صدر في أيلول/سبتمبر 2026، قائمة تضم 54 خطراً موزعة على ثلاث فئات رئيسية، تشمل المخاطر المرتبطة بالنماذج نفسها، وتلك الناجمة عن استخدامها، إلى جانب تداعياتها الاجتماعية.
وتتضمن هذه المخاطر احتمال تصرف الأنظمة بطرق غير متوقعة، واستخدامها في أنشطة إجرامية، فضلاً عن آثار اجتماعية مثل العزلة الإنسانية. كما يشير الإطار إلى أهمية وجود نقاط مراجعة بشرية تتيح التدخل وإيقاف الأنظمة المستقلة عند الضرورة.
وفي إطار تنظيم المحتوى، تفرض الصين وضع علامات توضح أن المواد أُنتجت باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يشمل التسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو. كذلك، طُرحت مسودة تدابير تلزم مقدمي الخدمات بإيقاف الميزات التي تظهر فيها مشكلات خطيرة، في حال إقرارها.
ولفت التحليل إلى تزايد الاهتمام بمخاطر فقدان السيطرة على هذه التكنولوجيا، إذ تكرر تناول هذا الموضوع أكثر من 12 مرة في أحدث نسخة من إطار السلامة، مقارنة بإشارة محدودة إليه في النسخة الأولى الصادرة عام 2024.
فجوة في الإفصاح
في المقابل، أشار تحليل نشره موقع «سيمي أناليسيس» إلى أن التوجهات الصينية تمنح أولوية لتسريع التطوير والابتكار، بينما تتركز الإجراءات الملزمة بدرجة أكبر على المحتوى الناتج عن النماذج، وطرق استخدامها، وتأثيراتها الاجتماعية، مقارنة بفرض متطلبات صارمة لتقييم قدرات النماذج المتقدمة قبل إطلاقها.
واستند التحليل إلى مراجعة 857 إصداراً لنماذج ذكاء اصطناعي طرحتها تسع شركات صينية بين عام 2021 و15 أيلول/سبتمبر 2026، من بينها «علي بابا» و«تينسنت» و«بايدو» و«ديبسيك».
وأظهرت النتائج أن 31 إصداراً فقط، أي ما نسبته 3.6%، ارتبطت بتقييمات سلامة منشورة، فيما توفرت نتائج هذه التقييمات عند الإطلاق أو قبله لتسعة إصدارات فقط.
ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن الشركات لم تُجر اختبارات داخلية، لكنها تكشف محدودية المعلومات المتاحة للجمهور بشأن سلامة النماذج التي تطورها.
وفي السياق ذاته، نقلت «الإيكونوميست» عن شركة «كونكورديا إيه آي» الاستشارية، ومقرها بكين، أن مراجعة لعشر شركات صينية أطلقت نماذج حديثاً أظهرت أن خمس شركات فقط نشرت نتائج تقييمات السلامة.
قيود على الأنظمة المستقلة
من جهة أخرى، تناول تحليل نشرته الرابطة الدولية لمحترفي الخصوصية توجه بكين نحو وضع ضوابط إضافية على وكلاء الذكاء الاصطناعي، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ المهام بصورة مستقلة، دون الحاجة إلى تدخل بشري مستمر.
وأشار التحليل إلى مسودة إرشادات طُرحت للتشاور العام في 18 أيلول/سبتمبر 2026، تتناول مراحل تصميم هذه الأنظمة وتطويرها واختبارها وإطلاقها، مع التركيز على تقييد صلاحياتها، ومراقبة العمليات عالية المخاطر، وتوثيق أنشطتها.
غير أن هذه الإرشادات لا تمثل تشريعات ملزمة، بل تقدم توجيهات للشركات بشأن الحد من المخاطر المرتبطة بتصرفات الأنظمة المستقلة.
كما تناول التحليل سياسة حكومية صينية نُشرت في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تدعو إلى توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الصناعية، بالتوازي مع تطوير أنظمة للرصد التقني والإنذار المبكر والاستجابة للطوارئ.
وتعكس هذه التوجهات محاولة صينية للجمع بين توسيع الاستخدامات الصناعية للذكاء الاصطناعي وتشديد الرقابة على مخاطره، إلا أن محدودية الإفصاح عن نتائج اختبارات السلامة تثير تساؤلات بشأن مدى قدرة الإجراءات التنظيمية على مواكبة تطور النماذج المتقدمة.
ومع استمرار المنافسة مع الولايات المتحدة، تبرز مسألة التوازن بين سرعة الابتكار وفرض ضمانات فعالة للسلامة، خصوصاً في ظل التحذيرات من أن تطور قدرات الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من التوقعات التنظيمية قد يزيد صعوبة السيطرة على مخاطره.



