أخبار العالم

45 قتيلاً في فرنسا بسبب التطرف المناخي والليلة الأكثر سخونة منذ 1947

تواجه فرنسا أزمة إنسانية وصحية متفاقمة تحت وطأة موجة حر استثنائية شديدة الارتفاع وصفت بالأعنف منذ عقود، حيث أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو اليوم، الثلاثاء، في أعقاب اجتماع وزاري طارئ خلية أزمة، عن تسجيل حصيلة مفجعة بلغت 40 حالة وفاة غرقاً في مختلف أنحاء البلاد منذ الثامن عشر من يونيو الجاري.

وأوضح رئيس الوزراء أن غالبية الضحايا هم من فئة الشباب الذين اندفعوا للسباحة في مناطق مائية غير مخصصة للاستحمام وتفتقر إلى الرقابة الأمنية وفرق الإنقاذ في محاولة بائسة للهروب من القيظ، واصفاً هذه الوفيات المتلاحقة بـ “الآفة المأساوية” والشرسة التي حصدت الأرواح في غضون أيام قليلة، وتزامن هذا الإعلان مع تفعيل الحكومة للمستوى الثاني من خطة الطوارئ الصحية الوطنية “ORSAN” لتعزيز قدرات التنسيق الطبي وتعبئة الكوادر الطبية الإضافية لمواجهة الضغط الهائل على أقسام الطوارئ ومراكز الإسعاف.

وجاءت تصريحات رئيس الوزراء لتوثق التدهور السريع للوضع الميداني، مكملة لتقرير صدم الرأي العام الفرنسي أدلت به وزيرة الرياضة والشباب مارينا فيراري عبر إذاعة “فرانس إنتر”، حيث كشفت فيه عن غرق نحو 20 شخصاً منذ بداية عطلة نهاية الأسبوع وحده، وحذرت الوزيرة المواطنين بشدة من الاستخفاف بالسباحة في المسطحات المائية العشوائية، مشيرة إلى أن الرغبة في التبريد السريع تحولت إلى مآسٍ مروعة في غضون ثوانٍ.

وبدروها أوضحت وزارة الرياضة في تقرير فني موازي أن العلاقة بين الارتفاع الحاد في درجات الحرارة والزيادة الكبيرة في حوادث الغرق تعود إلى أسباب فسيولوجية وعلمية خطيرة؛ فعند وصول حرارة الطقس إلى مستويات قياسية، يعاني الجسم تلقائياً من إجهاد حراري وهبوط في ضغط الدم، وعندما يقدم الشخص على النزول المفاجئ إلى مياه باردة، يتعرض لـ “صدمة حرارية” حادة تُحدث تشنجات عضلية مفاجئة ودوخة شديدة، قد تتطور سريعاً إلى سكتة قلبية تؤدي لفقدان الوعي التام والغرق الصامت تحت الماء دون أن يلاحظه أحد.

ولم تقتصر الخسائر البشرية المرتبطة بموجة الحر على حوادث الغرق فقط، بل امتدت لتشمل حوادث مأساوية أخرى أثارت القلق؛ حيث عثرت السلطات المحلية في مدينة كاربينتراس جنوب شرقي البلاد على طفلين يبلغان من العمر عامين وأربعة أعوام متوفيين داخل سيارة عائلتهما بعد أن تُرِكا فيها لفترة قصيرة تحت أشعة الشمس الحارقة، كما سُجلت وفاة ثلاثة أشخاص من كبار السن تتراوح أعمارهم بين 80 و95 عاماً في منطقة بوردو نتيجة مضاعفات صحية وإجهاد بدني مباشر ناجم عن شدة القيظ.

وترافق هذا الوضع المأساوي مع اتخاذ هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية “Meteo-France” إجراءات غير مسبوقة بوضع 54 إقليماً فرعياً (تضم قرابة 39 مليون نسمة) تحت مستوى التأهب الأحمر الأقصى، مع إغلاق أكثر من 1350 مدرسة وتعديل الجداول الدراسية لحماية الطلاب.

في حين دعت رئيسة منطقة إيل دو فرانس فاليري بيكريس المواطنين إلى تأجيل رحلاتهم غير الضرورية والعمل من المنازل نظراً لعدم قدرة السكك الحديدية وشبكات النقل على تحمل درجات حرارة تلامس 50 درجة مئوية على القضبان.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة الأرصاد إلى أن فرنسا سجلت رسمياً ليلة الإثنين إلى الثلاثاء “الليلة الأكثر سخونة على الإطلاق” في تاريخ البلاد منذ بدء تدوين السجلات المناخية عام 1947، حيث بلغ المؤشر الحراري الوطني الأدنى 21.6 درجة مئوية متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجل عام 2019، كما حطم متوسط درجة الحرارة الوطنية الإجمالية الرقم القياسي لشهر يونيو مسجلاً 29.2 درجة مئوية.

وارتفعت درجات الحرارة بشكل جنوني في مدن عدة لتصل إلى 43 درجة مئوية في بلدية بريف، و42 درجة في دوكس، ونحو 41.9 درجة في بوردو، وسط غياب وسائل التكييف داخل أكثر من 75% من المنازل الفرنسية، مما يفاقم من خطورة الأزمة التي ربطها خبراء المناخ بظاهرة “كتلة أوميغا” الجوية التي تحتجز الهواء الساخن القادم من الصحراء الإفريقية الكبرى فوق القارة الأوروبية، وتجعل من هذه الموجات المتطرفة ظواهر أكثر تكراراً وطولاً وحدة جراء التغير المناخي العالمي.