فلسطين _ الوعل اليمني
تتواصل معاناة 1,134 طفلاً فلسطينياً فقدوا أطرافهم جراء الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، في ظل حرمانهم من العلاج المتخصص والأطراف الصناعية وخدمات التأهيل، بفعل القيود المفروضة على إدخال المستلزمات الطبية وإجلاء المرضى، ما يحوّل الإصابات التي خلّفتها الحرب إلى معاناة ممتدة تهدد مستقبلهم وقدرتهم على الحركة والتعلم والاندماج في المجتمع.
وحذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في بيان صدر اليوم الأربعاء، من تفاقم الأوضاع الإنسانية للأطفال مبتوري الأطراف، مؤكداً أن حرمانهم من العلاج بعد التسبب بإصاباتهم يضاعف الأضرار الجسدية والنفسية، ويحرمهم من فرص استعادة حياتهم بصورة طبيعية.
وأوضح المرصد أن عدد الأطفال الذين تعرضوا لبتر أطرافهم جراء الهجمات الإسرائيلية بلغ 1,134 طفلاً، وفق الحصيلة المعلنة في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، معتبراً أن إيقاع هذه الإصابات ثم تقويض فرص علاج أصحابها وتأهيلهم يندرج ضمن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين في القطاع.
وتتجاوز خطورة هذه الإصابات فقدان أحد الأطراف، إذ يحتاج الأطفال إلى رعاية طبية وتأهيلية طويلة الأمد تشمل العناية بالجروح وعلاج الألم والعلاج الطبيعي والدعم النفسي، إلى جانب توفير أطراف صناعية مناسبة تتطلب التعديل والاستبدال مع نمو أجسامهم.
فجوة العلاج
وتكشف بيانات منظمة الصحة العالمية عن فجوة واسعة بين أعداد المصابين واحتياجاتهم الفعلية للتأهيل؛ إذ وثّقت المنظمة تقييم 2,277 شخصاً مبتور الأطراف في قطاع غزة خلال الفترة الممتدة بين سبتمبر/أيلول 2024 ومايو/أيار 2026، لم يحصل سوى 502 منهم على أطراف صناعية.
وأوضحت المنظمة، في تحديث نشرته في مايو/أيار 2026، أن الأطفال شكّلوا 18% من الأشخاص الذين خضعوا للتقييم، فيما لم يتجاوز عدد المختصين العاملين في مجال الأطراف الصناعية والأجهزة التقويمية في القطاع ثمانية مختصين.
ولا تعكس هذه الأرقام حجم الاحتياجات الطبية للأطفال وحدهم، لكنها تكشف محدودية قدرة منظومة التأهيل في غزة على الاستجابة للأعداد الكبيرة من المصابين، في ظل نقص الكوادر المتخصصة والأجهزة والمستلزمات الضرورية.
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن أياً من مرافق إعادة التأهيل في غزة لم يكن يعمل بكامل طاقته، مشيرة إلى وجود أكثر من 400 مريض ينتظرون أسرّة للتأهيل المتخصص، ومحذرة من أن إخراج المرضى مبكراً تحت ضغط نقص الخدمات قد يقطع مسار تعافيهم ويزيد مخاطر الإعاقة الدائمة.
ولا تقتصر الأزمة على نقص الكوادر والإمكانات المحلية، بل تمتد إلى عرقلة إدخال المعدات الطبية اللازمة؛ فبحسب المنظمة، لم تدخل معدات مخصصة لتجهيز مرافق التأهيل إلى غزة بين مايو/أيار 2024 ومنتصف أبريل/نيسان 2026، فيما ظلت 18 شحنة من مستلزمات التأهيل بانتظار الموافقة على إدخالها، بينها كراسٍ متحركة وأطراف صناعية ومعدات أساسية.
حصار التأهيل
وتضع هذه القيود الأطفال المصابين أمام عائقين متزامنين؛ خدمات محلية عاجزة عن تلبية احتياجاتهم، وقيود إسرائيلية على سفر المرضى لتلقي العلاج المتخصص خارج القطاع، ما يطيل فترات انتظارهم ويحرمهم من فرص التدخل الطبي في الوقت المناسب.
وأشار المرصد الأورومتوسطي إلى أن عرقلة الإجلاء الطبي تحرم الأطفال من خدمات علاجية متخصصة غير متوفرة داخل غزة، وتحدّ من فرص الحد من المضاعفات واستعادة القدرة على الحركة والاستقلالية.
وفي تقرير صدر في سبتمبر/أيلول 2026، شدد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية على ضرورة توسيع خدمات التأهيل والأجهزة المساعدة للأطفال، وتوفير وسائل النقل والكوادر المتخصصة والمساحات الآمنة التي يسهل الوصول إليها، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي.
وتزداد صعوبة حياة الأطفال مبتوري الأطراف مع استمرار النزوح وتدمير البنية التحتية، إذ يضطرون إلى التنقل عبر الركام والطرق غير المعبدة، والإقامة في خيام ومراكز إيواء تفتقر إلى المرافق الصحية المناسبة لاحتياجاتهم، ما يجعل الوصول إلى العلاج واستخدام وسائل الحركة أكثر مشقة.
وفي ظل غياب الأطراف الصناعية المناسبة، أشار المرصد إلى لجوء بعض الأطفال إلى استخدام أنابيب بلاستيكية وأدوات بدائية للمشي، في محاولة للتنقل وتلبية احتياجاتهم اليومية والعودة إلى اللعب مع أقرانهم.
وحذّر من أن هذه الوسائل قد تسبب آلاماً وصعوبات في التوازن وسقوطاً متكرراً، فضلاً عن احتمالات حدوث ضغط واحتكاك وجروح في الجزء المتبقي من الطرف، بما يعرقل عملية التأهيل ويهدد فرص استخدام أطراف صناعية مناسبة مستقبلاً، خصوصاً عند استخدامها دون إشراف طبي.
أعباء مضاعفة
ولا تتوقف تداعيات البتر عند الأطفال أنفسهم، بل تمتد إلى أسرهم التي تتحمل أعباء الرعاية والمتابعة الطبية في ظروف إنسانية بالغة القسوة، مع فقدان المساكن ومصادر الدخل وتراجع الخدمات الأساسية، إلى جانب تدمير المؤسسات والموارد اللازمة لتقديم خدمات العلاج والتأهيل.
وتتضاعف هذه المعاناة لدى الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما؛ إذ بلغ عدد الأطفال الأيتام في قطاع غزة 71 ألفاً و846 طفلاً حتى أكتوبر/تشرين الأول 2026، وفق الحصيلة المعلنة والمنسوبة إلى وزارة التنمية الاجتماعية.
ولا تعني هذه الحصيلة أن جميع هؤلاء الأطفال فقدوا والديهم معاً، كما أنها لا تخص الأطفال مبتوري الأطراف وحدهم، لكنها تكشف اتساع دائرة الأطفال الذين يحتاجون إلى الحماية والرعاية في القطاع.
ويضيف فقدان الرعاية الوالدية أعباء جديدة إلى احتياجات الطفل المصاب، تشمل تأمين مرافق له خلال العلاج ومتابعة جلسات التأهيل وتوفير الرعاية اليومية، وتزداد الصعوبات عندما تنتقل مسؤولية رعايته إلى أقارب يواجهون بدورهم النزوح والفقر وفقدان المأوى ومصادر الدخل.
استهداف المستقبل
وفي سياق متصل، استند المرصد الأورومتوسطي إلى نتائج لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل، بشأن الأذى الذي لحق بالأطفال الفلسطينيين.
وخلصت اللجنة، في تقرير خاص بالأطفال نشرته في يونيو/حزيران 2026، إلى وجود أسباب معقولة للاستنتاج بأن جانباً كبيراً من الأذى الذي تعرض له الأطفال الفلسطينيون كان مقصوداً بهدف تدمير الفلسطينيين في غزة بوصفهم جماعة.
وربطت اللجنة بين استهداف الأطفال والإضرار بالاستمرارية البيولوجية والاجتماعية للجماعة الفلسطينية، معتبرة أن هذه الأفعال تندرج ضمن استراتيجية متعمدة لتدمير مستقبلها.
وتتواصل المخاطر على الأطفال رغم إعلان وقف إطلاق النار؛ إذ أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، خلال إحاطة في أكتوبر/تشرين الأول، بأن أكثر من 340 طفلاً أُبلغ عن استشهادهم منذ إعلان وقف إطلاق النار، فضلاً عن إصابة مئات آخرين.
وتعكس هذه المعطيات أن الأطفال في غزة لا يواجهون فقط تبعات الإصابات التي لحقت بهم خلال الحرب، بل يظلون معرضين لمخاطر القتل والإصابة، في وقت تتقلص فيه فرص حصولهم على الرعاية الطبية والحماية اللازمة.
وأكد المرصد الأورومتوسطي أن المسؤولية الإسرائيلية لا تقتصر على الهجمات التي أدت إلى بتر أطراف الأطفال، بل تشمل أيضاً السياسات والقيود التي تحرمهم من العلاج والتأهيل والتعليم والمأوى الملائم ووسائل الحركة، داعياً إلى ضمان حقوقهم في الرعاية والحماية والحياة الكريمة.
وطالب المرصد المجتمع الدولي بفرض حظر على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل ومساءلتها عن الهجمات غير المشروعة، والضغط لرفع القيود المفروضة على سفر الأطفال المرضى، وضمان إجلائهم طبياً مع مرافقيهم وفق الأولوية الطبية ودون تأخير تعسفي.
كما دعا إلى ضمان دخول الإمدادات الطبية ومستلزمات التأهيل بصورة منتظمة، ودعم المؤسسات الصحية والكوادر المتخصصة في غزة، والعمل على إنهاء الحصار ووقف الهجمات وسياسات التجويع والتهجير القسري، وضمان المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال الفلسطينيين.
وبينما يحتاج الأطفال مبتورو الأطراف إلى سنوات من العلاج والتأهيل لمساعدتهم على استعادة قدرتهم على الحركة والاستقلال، تظل فرص تعافيهم مرهونة بإنهاء القيود الإسرائيلية التي تحاصر وصولهم إلى العلاج، وتوفير المستلزمات الطبية التي تحوّل حقهم في حياة كريمة من مطلب مؤجل إلى واقع ملموس.



