اتفقت ألمانيا وفرنسا، اليوم الثلاثاء، رسمياً على إلغاء مشروعهما المشترك التاريخي لتطوير وبناء طائرة مقاتلة من الجيل الجديد، والمعروف باسم “نظام القتال الجوي المستقبلي” (FCAS)، والذي كان يُعد أضخم وأكثر برنامج دفاعي طموحاً في القارة الأوروبية بقيمة تقديرية تصل إلى نحو 100 مليار يورو (ما يعادل 116 مليار دولار).
وجاء الإعلان بعد انهيار المحادثات ووصولها إلى طريق مسدود بين الشركاء الصناعيين الرئيسيين، وتحديداً مجموعة “إيرباص” (Airbus) الأوروبية للطيران والفضاء التي تمثل المصالح الألمانية والإسبانية، وشركة “داسو” (Dassault Aviation) الفرنسية للطيران، إثر خلافات حادة ومستمرة منذ أشهر حول تقاسم حصص التصنيع، والسيادة التكنولوجية، والتحكم في قيادة المشروع وتفاصيله الفنية.
وجاء هذا القرار المصيري عقب قمة جمعت المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث ناقش القائدان جمود المشروع على هامش قمة الاتحاد الأوروبي ودول غرب البلقان، وخلصا إلى استحالة كسر الحلقة المفرغة من الخلافات الصناعية الوطنية وعجز الشركات عن بلوغ أرضية مشتركة.
وأفادت مصادر حكومية في برلين بأن المستشار ميرتس نصح الرئيس الفرنسي صراحة بعدم المضي قدماً في تطوير الطائرة المقاتلة المشتركة؛ وهو ما أكده مكتب ماكرون عبر الإعراب عن الأسف لعدم قدرة الشركات على الاتفاق، بالرغم من محاولات الإنقاذ الأخيرة التي جرت وتضمنت تعيين وسيطين من البلدين لتقريب وجهات النظر، لكنها تحطمت أمام إصرار رئيس شركة “داسو” على قدرة بلاده على التطوير المنفرد، واختلاف العقائد العسكرية للبلدين.
وبرغم إلغاء تطوير الطائرة المقاتلة نفسها، أوضح المسؤولون أن المكونات والركائز الأخرى لبرنامج (FCAS) ستستمر كمنظومة أوروبية متكاملة تشمل الطائرات المسيّرة، وأنظمة الاستشعار، وما يُعرف بـ “سحابة القتال” (Combat Cloud) وهي شبكة رقمية متطورة لربط المنصات العسكرية وأنظمة التسليح.
وفي ردود الفعل الرسمية، قلل وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس من تداعيات هذا الإخفاق على الروابط الثنائية، مؤكداً أن انهيار المشروع اصطدم بالواقع وعلينا التعايش معه، وأنه لن يؤثر على عمق العلاقات الألمانية الفرنسية، مشيراً إلى أن برلين تجري بالفعل مناقشات منذ أشهر مع جهات مختلفة لبحث البدائل الجوية المتاحة.
ويمثل التراجع عن هذا المشروع، الذي أطلقه الرئيس ماكرون مع المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل عام 2017 وصادقت عليه إسبانيا لاحقاً، ضربة قاسية لجهود استقلال أوروبا الدفاعي وبناء قاعدة عسكرية موحدة قادرة على تخفيف الاعتماد الأمني على واشنطن.
وحذر خبراء ومحللون عسكريون، من بينهم باحثون في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، من أن هذا الانقسام يبعث بإشارات سلبية وتوقيت غير مثالي بالمرة إلى كل من واشنطن وموسكو، خاصة في ظل التهديدات الأمنية المتزايدة في القارة وضغوط إعادة التسليح، مبرزاً كيف تظل الحسابات والمصالح الاقتصادية الوطنية عائقاً رئيسياً أمام طموحات الاندماج العسكري الأوروبي.



