تقرير خاص
منذ الأسبوع الأول من سبتمبر، شهدت مناطق ريف تعز والساحل الغربي تصعيدًا عسكريًا مع هجمات شنتها مليشيا الحوثي، في ظل عودة المواجهات بعد هدنة استمرت أكثر من أربع سنوات.
ومع اتساع رقعة المواجهات، بدأت في مناطق مختلفة من محافظة تعز مبادرات شعبية لإسناد القوات المرابطة في الجبهات، شملت تسيير قوافل غذائية وتموينية، وتقديم المياه والمواد الإيوائية، إلى جانب مبادرات فردية وأسرية شاركت فيها النساء وطلاب المدارس والتجار والشخصيات الاجتماعية.
واتسعت دائرة هذه المبادرات خلال سبتمبر، وصولًا إلى تسيير قوافل حملت أسماء مناطق مديريات المحافظة حتى الواقعة تحت سيطرة مليشيا الحوثي، في تعبير من منظميها عن ارتباط أبناء تلك المديريات بالمحافظة ومشاركتهم في دعم الجبهات الواقعة في المناطق المحررة.
وتنوعت المبادرات بين قوافل أهلية، وأخرى نظمتها مؤسسات وجمعيات ومبادرات محلية، فيما شاركت جهات أمنية ومحلية في تنظيم بعضها أو استقبالها، بينما ركزت جميعها على إيصال المواد الغذائية والتموينية والمياه وغيرها من الاحتياجات إلى المقاتلين في خطوط المواجهة.
تلاحم خلف الجبهات
يقول مدير عام مديرية ماوية الواقعة تحت سيطرة مليشيات الحوثي، عبدالجبار الصراري، لـ”الوعل” إن ماوية كانت في طليعة المديريات التي استجابت لدعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي للالتفاف حول القوات المسلحة والأمن وإسنادها.
وأوضح الصراري أن أبناء ماوية ترجموا ذلك إلى مشاركة عملية، من خلال تقديم عشرات المقاتلين الذين التحقوا بالجبهات، إلى جانب تسيير قوافل غذائية وتموينية للمرابطين في الخطوط الأمامية.
وأضاف أن القافلة التي وصلت إلى جبهة الكدحة في البداية جاءت في إطار هذا الدعم، مشيرًا إلى أن المبادرة ليست حالة منفردة في المحافظة، إذ شهدت مديريات أخرى، بينها القاهرة والمظفر والشماتين والتربة والتعزية وبقية المديريات، مبادرات وقوافل لدعم الجبهات.
وقال إن اللافت في هذا الحراك هو تنوع المشاركين، إذ لم يقتصر الدعم على السلطات المحلية والرجال، بل امتد إلى شرائح مختلفة من المجتمع، بما فيها النساء في مدينة تعز، اللواتي شاركن في تقديم مبادرات ومساعدات للمرابطين.
ويرى الصراري أن هذه المبادرات تمثل رسالة تضامن مع القوات المسلحة والأمن والمقاومة، ورسالة للمقاتلين في الجبهات بأنهم ليسوا وحدهم، مؤكدًا أن قافلة ماوية لن تكون الأخيرة، وأن أبناء المديرية في المناطق المحررة سيواصلون تقديم ما يستطيعون من دعم للمرابطين.
من جهته، يقول الصحفي والناشط المحلي عبدالملك الأغبري لـ”الوعل”إن ما شهدته تعز من تلاحم مجتمعي وإسناد للقوات والمقاتلين في الجبهات يمثل، بحسب تقديره، انعكاسًا لما وصفه بالوعي الجمعي لدى أبناء المحافظة تجاه مليشيا الحوثي.
ويشير الأغبري إلى أن تعز عاشت سنوات طويلة من الحرب والحصار، وأن دائرة المشاركة في الإسناد اتسعت لتشمل السلطة المحلية والمواطنين والوجهاء والشباب وطلاب المدارس والنساء، كل بحسب قدرته.
ويضيف أن المدارس والمجالس المحلية ومؤسسات المجتمع المدني تحولت إلى مساحات للدعم والتضامن مع الجبهات، معتبرًا أن ذلك جعل الإسناد حاضرًا في قطاعات مختلفة من المجتمع.
ويذكر الأغبري أن طلابًا وطالبات اقتطعوا جزءًا من مصروفهم المدرسي، فيما قدم مواطنون ما يستطيعون، وشاركت نساء في إعداد الكعك وبعض المؤن، مضيفًا أن بعض النساء، بحسب ما رصده، قدمن تبرعات وصلت إلى شراء الذخائر وإرسالها للمقاتلين.
ويرى الأغبري أن اتساع هذه المشاركة يعكس، انتقال النظر إلى المواجهة من كونها مواجهة عسكرية إلى قضية مرتبطة باستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.
النساء في الميدان
لم يقتصر الإسناد الشعبي في تعز على القوافل الغذائية، إذ ظهرت مبادرات نسائية شاركت في إعداد الطعام والمؤن وتجهيز المواد التي تُرسل إلى الجبهات.
وخلال الأيام الماضية، تداول ناشطون صورًا لمبادرات نسائية وأسرية في تعز، أظهرت نساء وأسرًا يشاركن في تجهيز قوافل غذائية للمرابطين، رغم الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تعيشها المحافظة.
كما تحدثت منشورات محلية عن تقديم نساء من تعز مؤنًا وذخائر لأفراد من القوات والمقاتلين الموجودين في الجبهات، وبينهم أقارب لهن.
وتزامن ذلك مع مبادرات في المؤسسات التعليمية، من بينها مدرسة زيد الموشكي للبنات في مدينة تعز، حيث تحدثت الناشطة المحلية زبيدة الوجيه عن حملة تبرعات شاركت فيها الطالبات.
وقالت الوجيه إن الطالبات قدمن ما يستطعن من مصروفهن أو مما يملكنه، دعمًا للمرابطين في الجبهات.
وكتبت في تعليقها على المبادرة أن المشهد بالنسبة لها تجاوز فكرة تبرعات الطالبات، ورأت فيه تعبيرًا عن تضامن المجتمع مع المقاتلين في الجبهات.
وأشارت إلى أن الطالبات يقدمن جزءًا من مصروفهن، في الوقت الذي يقضي فيه المقاتلون أوقاتهم في مواقع المواجهة، معتبرة أن المبادرة تمثل رسالة تضامن من طالبات المدرسة مع المرابطين.
وتظهر هذه المبادرات أن المشاركة في دعم الجبهات لم تعد محصورة في القوافل التي تنظمها الجهات المحلية أو الشخصيات الاجتماعية، بل امتدت إلى الأسر والمنازل والمدارس، وبأشكال مختلفة تتراوح بين إعداد الطعام والتبرعات المالية وتوفير الاحتياجات الأساسية.
قوافل تتجاوز الحدود
امتدت مبادرات الإسناد إلى خارج حدود محافظة تعز، إذ شارك أبناء محافظة إب في تقديم مواد غذائية للقوات المرابطة في عدد من جبهات تعز.
وقال منسق المبادرة أحمد هزاع إن أبناء إب قدموا مواد غذائية وعصائر وفواكه للمقاتلين في عدة جبهات بمدينة تعز، ضمن مبادرة تهدف إلى دعم القوات الموجودة في مواقع المواجهة.
وأضاف أن حجم الدعم المقدم لا يكاد يذكر، بحسب وصفه، مقارنة بما يقدمه المقاتلون في الجبهات، لكنه اعتبره رسالة تضامن من أبناء إب مع القوات الموجودة في تعز.
وأشار هزاع إلى أن المبادرة تعبر، من وجهة نظره، عن ارتباط أبناء إب بما يجري في تعز، رغم خضوع محافظتهم لسيطرة مليشيا الحوثي.
وختم بالقول إن إب وتعز، بحسب تعبيره، «قضية واحدة.. معركة واحدة»، مؤكدًا استمرار دعم أبناء إب للمقاتلين في الجبهات.
وفي السياق ذاته، انطلقت من مدينة التربة بمحافظة تعز «قافلة الوفاء الأولى» التي نظمتها مبادرة «جسد واحد» ردا على إشاعات الحوثي بإسقاطها، وضمت نحو 60 سيارة محملة بمواد غذائية وتموينية وإيوائية ومياه.
وقال محمد علي العزعزي إن القافلة نظمت بمشاركة أعيان وتجار ومواطنين، وإنها توجهت لدعم المرابطين في جبهات جنوب غرب تعز.
وأضاف أن القافلة تأتي ضمن مبادرات الدعم الشعبي، مشيرًا إلى أن المشاركين فيها يرون أن استمرار الحرب وتطور الأحداث قد يدفع إلى تسيير قوافل أخرى خلال الفترة المقبلة.
وتعكس هذه المبادرات تعدد الجهات والفئات المشاركة في إسناد الجبهات، من المديريات والسلطات المحلية إلى التجار والمواطنين والنساء وطلاب المدارس، فضلًا عن مبادرات قادمة من محافظات أخرى.
وفي الوقت الذي تستمر فيه المواجهات في عدد من جبهات تعز، يتواصل تدفق القوافل والمساعدات إلى مواقع القوات والمقاتلين، في تحرك مجتمعي يتخذ أشكالًا متعددة، من الغذاء والمياه والمواد الإيوائية إلى التبرعات الفردية والمبادرات المدرسية والنسائية.
وبذلك لم تعد القوافل التي تصل إلى الجبهات تحمل المواد الغذائية والتموينية فقط، بل تحمل أيضًا أسماء المديريات والمناطق والأسر والمبادرات التي شاركت فيها، في محاولة للتعبير عن ارتباط المجتمعات المحلية بما يجري في خطوط المواجهة، وإسناد المقاتلين الذين يخوضون المعارك هناك.



