وفيات وإصابات واختفاء قسري تكشف الوجه الأكثر قسوة للاحتجاز
لا تنتهي معاناة بعض اليمنيين عند لحظة اقتيادهم إلى سجون مليشيات الحوثي، بل تبدأ هناك فصول أخرى من الألم، تتحدث عنها شهادات معتقلين سابقين وأسر محتجزين ومنظمات حقوقية، وتتراوح بين التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية والإخفاء القسري، فيما انتهت بعض حالات الاحتجاز، وفق إفادات وتقارير حقوقية، بالوفاة أو بإصابات وأمراض تركت آثاراً طويلة الأمد على الضحايا.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت الاتهامات الموجهة إلى مليشيات الحوثي بشأن استخدام التعذيب والضغط النفسي والجسدي لانتزاع اعترافات من المحتجزين، بالتزامن مع إحالة عدد من المعتقلين إلى النيابة والمحكمة الجزائية المتخصصة في صنعاء، بينهم موظفون في الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية وناشطون وأكاديميون.
وتعيد هذه الوقائع ملف السجون الحوثية إلى الواجهة، ليس باعتباره مجموعة حوادث منفصلة، وإنما في ظل تزايد المخاوف الحقوقية من اتساع دائرة الاعتقالات والإخفاء والاحتجاز خارج الأطر القانونية، خصوصاً مع تصاعد التوتر العسكري والأمني في البلاد.
المضواحي.. اعترافات تحت الضغط
تعد قضية الطبيب والخبير في الصحة العامة الدكتور علي أحمد المضواحي من أبرز الملفات التي أثارت مخاوف حقوقية خلال الفترة الأخيرة.
وبحسب ما نقلته زوجته عنه، فقد أمضى المضواحي فترة طويلة في الاحتجاز، بينها أكثر من 16 شهراً في زنزانة تحت الأرض، وقال إنه تعرض للتعذيب والضغط من أجل دفعه إلى الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته منظمة الصحة العالمية، إضافة إلى مطالبته، وفق روايتها، بالاعتراف بأن لقاحات الأطفال تستخدم لأغراض التجسس.
وتقول زوجته إن المضواحي رفض الإدلاء باعترافات تخالف قناعته المهنية، رغم ما تعرض له من ضغوط، فيما يؤكد فريق الدفاع عنه أن عدداً من الاتهامات المطروحة أمام النيابة تستند إلى روايات ومراسلات جرى تفسير بعضها نتيجة أخطاء في الترجمة.
وفي جلسة التحقيق الأخيرة، وفق إفادة زوجته، جرى عرض آلاف الصفحات من مراسلاته الإلكترونية، وتمكن من الرد على عدد من الادعاءات وتوضيح ما اعتبره سوء فهم لمصطلحات طبية، من بينها مصطلح «Surveillance Officer»، الذي قالت إنه يتعلق برصد الأوبئة ومتابعتها في السياق الصحي، وليس بالرصد الأمني.
وتكتسب القضية حساسية إضافية في ظل اتهامات سابقة للمليشيا باستخدام التعذيب والاحتجاز المطول لانتزاع اعترافات من المعتقلين.
موظفو الإغاثة خلف القضبان
لم يتوقف الجدل عند قضية المضواحي، إذ شمل أيضاً موظفين أمميين وعاملين في منظمات دولية ومحلية.
وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قد دعت مليشيات الحوثي إلى وقف المحاكمات التي وصفتها بغير القانونية بحق موظفي الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، وإنهاء الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري.
وقالت المنظمة إن الجماعة أحالت عدداً من المحتجزين إلى النيابة الجزائية المتخصصة في صنعاء، بينهم موظف أممي ومستشار يعمل مع الأمم المتحدة وعاملون في منظمات دولية ومحلية.
وحذرت المنظمة من المخاطر التي تهدد المحتجزين، في ظل تقارير عن التعذيب والحرمان من التواصل مع المحامين والأسر، فضلاً عن مخاوف مرتبطة بالحصول على الرعاية الطبية.
وتزيد هذه الملفات من حدة التساؤلات حول طبيعة الإجراءات المتبعة مع المحتجزين، ومدى توافقها مع الضمانات القانونية وحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.
إصابات داخل الزنازين
وخلال أغسطس الحالي، ظهرت حالات أخرى لمحتجزين سابقين أو حاليين أثارت مخاوف بشأن أوضاع السجون.
ففي محافظة إب، ظهر ماجد صادق طه بحالة صحية متدهورة بعد نحو ستة أشهر من احتجازه في مدينة القاعدة، فيما تحدثت والدته عن تعرضه للحرق والحرمان من الطعام والنوم، واتهمت أشخاصاً ينتمون إلى مليشيات الحوثي بالوقوف وراء اختطافه وتعذيبه.
وفي المحافظة نفسها، دخل عبدالله الشرماني العناية المركزة بعد محاولة انتحار داخل زنزانته في سجن محكمة المخادر، وفق مصادر محلية، قالت إنه احتُجز لنحو شهر على خلفية قضية مرتبطة بأحد أبنائه، وسط اتهامات باحتجازه للضغط على أسرته.
وتثير هذه الحالات تساؤلات بشأن الظروف النفسية التي يعيشها المحتجزون، خصوصاً عندما يتم الاحتجاز من دون وضوح قانوني أو في ظروف عزل وضغط شديد.
حين تتحول الزنزانة إلى قبر
لا تقف المخاطر عند الإصابة أو التدهور الصحي، إذ تتحدث أسر ومصادر حقوقية عن حالات وفاة داخل السجون أو بعد الإفراج عن المعتقلين بفترات قصيرة.
وفي محافظة البيضاء، طالب الأهالي ومركز «رصد للحقوق والتنمية» بالكشف عن ملابسات وفاة محمد أحمد حسين الهدار داخل السجن المركزي، وتسليم جثمانه لأسرته.
وبحسب إفادات نقلتها مصادر حقوقية، كان الهدار قد اعتُقل من صنعاء قبل نقله إلى البيضاء، وتحدثت تلك المصادر عن وجود آثار على جسده قالت إنها قد تشير إلى تعرضه للاعتداء والتعذيب، بالتزامن مع اتهامات بحرمانه من الرعاية الطبية.
كما توفي عبد المجيد الشرفي بعد فترة من الإفراج عنه، عقب سنوات من الاحتجاز، وقال مقربون من أسرته إن حالته الصحية تدهورت نتيجة التعذيب والإهمال الطبي اللذين تعرض لهما خلال فترة اعتقاله.
ووفق مسؤولين حقوقيين، فإن آثار التعذيب والإهمال الطبي قد لا تنتهي بمجرد الإفراج عن المعتقل، إذ يمكن أن تترك إصابات وأمراضاً جسدية ونفسية مزمنة تلازم الضحية لسنوات.
أرقام تكشف اتساع الملف
وتشير بيانات مكتب حقوق الإنسان في صنعاء، التابع للحكومة اليمنية، إلى توثيق 3219 انتهاكاً بحق المدنيين خلال عامي 2024 و2025، بينها 135 حالة تعذيب و483 حالة اختطاف وإخفاء قسري و307 محاكمات سياسية، شملت 39 حكماً بالإعدام.
وبحسب البيانات نفسها، ارتفع إجمالي الانتهاكات المسجلة من 1537 حالة في عام 2024 إلى 1682 حالة في عام 2025، بزيادة بلغت نحو 9.4 في المائة.
وتبقى هذه الأرقام بحاجة إلى التحقق المستقل في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق سيطرة الحوثيين وغياب آليات مستقلة قادرة على مراقبة جميع أماكن الاحتجاز، إلا أنها تعكس، إلى جانب شهادات الضحايا والمنظمات الحقوقية، حجم المخاوف المرتبطة بملف الاعتقالات والتعذيب.
القمع يتسع مع التصعيد
وفي ظل التصعيد العسكري والسياسي، تتزايد المخاوف من اتساع القبضة الأمنية لمليشيات الحوثي، خصوصاً مع استمرار حملات الاعتقال وإحالة محتجزين إلى النيابة والمحاكم التابعة للجماعة.
كما تسود مخاوف بشأن الناشطة سحر الخولاني، التي أعيد اعتقالها ووُضعت، وفق ما أفادت به مصادر، في زنزانة انفرادية، وسط مطالبات أسرتها بالكشف عن ظروف احتجازها والإفراج عنها.
ولا يمكن الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة بين التصعيد العسكري وتزايد الانتهاكات داخل السجون، لكن تزامن الأمرين يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت فترات التصعيد تدفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية وتوسيع دائرة الاشتباه والاعتقال.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: ماذا يحدث داخل السجون التي لا تخضع لرقابة مستقلة؟
فبين شهادة معتقل يخرج حاملاً آثار التعذيب، وأسرة تنتظر معرفة مصير ابنها، وجثمان يخرج من زنزانة محاطاً بعلامات استفهام، يتسع ملف الاحتجاز في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي من قضية حقوقية إلى مأساة إنسانية تتطلب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، وضمان وصول المحتجزين إلى المحامين والرعاية الطبية، ووضع حد للتعذيب والإخفاء القسري، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات.
فالزنزانة لا ينبغي أن تكون مكاناً للموت البطيء، والاحتجاز لا يمنح أحداً الحق في انتزاع الكرامة أو تحويل الإنسان إلى مجرد ملف أمني.



