أخبار اليمن

من إسقاط الجرعة إلى مضاعفة الجرعات.. انتصارات الساحل تصل إلى جيوب اليمنيين

تمضي السخرية باليمنيين إلى حد يصعب وصفه. فالجماعة التي خرجت يومًا إلى الشوارع تحت شعار إسقاط «الجرعة» التي لم تتجاوز 500 ريال على دبة البنزين، انتهت إلى إسقاط البلاد في أتون الحرب، وفرض جرعات متتالية جعلت الحياة تضيق على الناس إلى أقصى ما يمكن تضييقه.

والمفارقة الجديدة أن التوسعات الأخيرة لمليشيات الحوثي، وسيطرتها على عدد من المدن والموانئ في الساحل الغربي، لم تنعكس على حياة المواطنين بتخفيف الأعباء، بل جاءت معها «جرعة» سعرية جديدة في البنزين والديزل.

فبدل أن تتحول الموانئ والمنافذ الجديدة إلى متنفس اقتصادي، جاءت المعادلة على النقيض تمامًا: كلما اتسعت الجغرافيا، ضاقت الحياة؛ وكلما زادت الموانئ، ارتفعت كلفة المعيشة؛ وكلما تعددت منافذ البحر، أُغلقت منافذ العيش أمام المواطن.

وارتفع سعر جالون البنزين سعة 20 لترًا من 9500 إلى 10500 ريال، فيما قفز سعر الجالون ذاته من الديزل من 9500 إلى 11500 ريال، في زيادة تأتي بينما تحتفي مليشيات الحوثي بما تصفه بانتصاراتها وتوسّع رقعة سيطرتها.

وكأن الرسالة التي تصل إلى المواطن تقول إن الانتصارات لا تُقاس فقط بعدد المدن والموانئ التي تدخلها الجماعة، وإنما أيضًا بعدد الآلاف التي يدفعها المواطن من جيبه ثمنًا لهذه الانتصارات.

والمفارقة الأكثر إثارة أن المتحدث العسكري لمليشيات الحوثي لا يكاد يتوقف عن إصدار بيانات تتحدث عن استهداف المصافي والمنشآت النفطية في السعودية، فيما يبدو أن أسعار الوقود هي التي تتلقى الضربات داخل مناطق سيطرة الجماعة.

فالمواطن اليمني قد لا يعرف ماذا أصاب المصافي في الرياض، لكنه يعرف جيدًا ما الذي أصاب محطات الوقود في صنعاء: الأسعار ارتفعت، والقدرة على شراء الوقود تراجعت.

ومن المفيد هنا تذكير قيادة مليشيات الحوثي بخطاباتها القديمة، حين أعلنت رفضها رفع أسعار النفط إلى ثلاثة آلاف ريال. واليوم، تكفي نظرة واحدة إلى سعر جالون البنزين لمعرفة المسافة بين ذلك الخطاب والواقع؛ فقد تجاوزت الدبة حاجز عشرة آلاف ريال، ولم تعد «الجرعة» مجرد شعار سياسي، بل رقمًا يدفعه المواطن من قوته اليومي.

وهكذا، تتحول المفارقة إلى مشهد كامل: جماعة رفعت شعار إسقاط الجرعة، فإذا بها ترفع الجرعات؛ وجماعة وعدت بتخفيف أعباء الناس، فإذا بها تزيد كلفة معيشتهم؛ وجماعة تحتفي باتساع مناطق سيطرتها، فيما يضيق هامش الحياة على من يعيشون تحت سلطتها.

وببركة «الانتصارات» الجديدة في الساحل الغربي، يبدو أن المواطن اليمني مطالب مرة أخرى بدفع ثمنها من جيبه، بينما تتسع رقعة السيطرة على الأرض، وتتقلص مساحة ما يستطيع المواطن شراءه من وقود وطعام وحياة.