أخبار المنطقة

معركة على الذاكرة المكانية.. الاحتلال يمحو «باب العامود» لتهويد هوية القدس

الاحتلال يغير اسم باب العامود في القدس لطمس هويتها

تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسة تغيير أسماء الشوارع والمعالم والأماكن التاريخية في مدينة القدس المحتلة، في محاولة لطمس أسمائها العربية المتوارثة وفرض مسميات جديدة على المدينة، بما يخدم روايتها ويفرضها على المشهد المقدسي.

وفي أحدث هذه الخطوات، ركبت طواقم تابعة لسلطات الاحتلال لافتة تحمل تسمية «البوابة القديمة»، بالتزامن مع إزالة لافتات تحمل اسم «باب العامود»، أحد أبرز أبواب البلدة القديمة في القدس، والمرتبط تاريخيًا وجغرافيًا بهوية المدينة العربية.

وقالت محافظة القدس، في بيان اليوم الأربعاء، إن تغيير أسماء الشوارع والأبواب والمعالم التاريخية لا يمثل إجراءً إداريًا عابرًا، بل يأتي ضمن سياسة أوسع لإعادة صياغة المشهد الحضري والثقافي للمدينة، وفصل الأجيال المقبلة عن أسمائها العربية المتوارثة وتاريخها الممتد لقرون.

ويُعد باب العامود من أبرز مداخل البلدة القديمة، كما ارتبط على مدار عقود بالحياة اليومية للمقدسيين، وبالمناسبات الوطنية والدينية والاجتماعية، ما يجعل استهداف اسمه جزءًا من معركة تتجاوز اللافتة إلى الذاكرة والهوية.

ويرى أستاذ دراسات بيت المقدس عبد الله معروف أن ما يجري يندرج ضمن سياسة أوسع لـ«تهويد كل شيء في مدينة القدس»، موضحًا أن الاحتلال يعمل منذ سنوات على تغيير أسماء المواقع وفرض تسميات دخيلة عليها.

ويشير معروف إلى أن منطقة باب العامود تمثل «شريان حياة أساسيًا بالنسبة إلى المقدسيين»، وأن استبدال اسمه بتسمية «البوابة القديمة» يأتي في سياق محاولة نزع الصفة التاريخية عن المكان وفصله عن الاسم المتجذر في ذاكرة المقدسيين والفلسطينيين.

ولا تقتصر هذه السياسة، بحسب معروف، على باب العامود، إذ يستشهد بتغيير أسماء مواقع أخرى في القدس، ومنها مغارة سليمان الواقعة بين باب العامود وباب الساهرة، والتي أُطلق عليها اسم «مغارة صدقياهو»، معتبرًا ذلك جزءًا من مسار استبدال الأسماء العربية والإسلامية بتسميات ذات دلالات توراتية.

حرب على الذاكرة

وفي السياق ذاته، يضع الباحث في مؤسسة القدس الدولية علي إبراهيم تغيير اسم باب العامود في إطار ما يسميه «حرب الرواية» التي يخوضها الاحتلال في القدس، بهدف محو مكونات من هوية المدينة وإحلال سردية أخرى مكانها.

ويؤكد إبراهيم أن باب العامود لا يمثل مجرد مدخل للبلدة القديمة، بل يشكل، وفق وصفه، «الشريان النابض للحياة في القدس المحتلة، والساحة الأبرز للتجمع والتعبير عن الهوية الفلسطينية»، ولذلك فإن استهداف اسمه يمثل محاولة لسلخ المكان عن سياقه العربي والإسلامي.

كما يشير إلى أن تغيير الأسماء يهدف إلى «تهويد المشهدين البصري واللغوي للمدينة»، من خلال فرض تسميات توراتية على المواقع والأماكن، بما يجعلها مع مرور الوقت مألوفة أمام الأجيال الجديدة والزوار، ويضعف ارتباطهم بالأسماء التاريخية للمدينة.

ويشير الباحث إلى أن هذه الممارسات تطال الشوارع والأحياء والمواقع الأثرية والتراثية في أنحاء مختلفة من القدس المحتلة، معتبرًا أنها جزء من سياسة تهويد ثقافي تستهدف الذاكرة المكانية للمدينة.

البوابة القديمة

من جهته، يرى الباحث المقدسي فخري أبو دياب أن تسمية «البوابة القديمة» لا تمثل مجرد تغيير لغوي، وإنما تأتي ضمن مخطط أوسع لعبرنة أسماء معالم القدس وشوارعها وفرض رواية الاحتلال على المكان.

ويوضح أبو دياب أن التسمية الجديدة تحمل، بحسب قراءته، دلالات مرتبطة بالرواية التوراتية التي يحاول الاحتلال ترسيخها حول المنطقة، بما يؤثر في وعي من يزور المكان مستقبلًا، ويجعل الاسم الجديد حاضرًا في الذاكرة العامة.

ويضيف أن سياسة تغيير المسميات ليست جديدة، لكنها تستهدف بصورة خاصة المعالم التي يستخدمها الفلسطينيون والزوار من مختلف أنحاء العالم، بهدف إحلال الأسماء الجديدة تدريجيًا محل الأسماء التاريخية المتوارثة.

ويشير أبو دياب إلى أن باب العامود يحظى بمكانة خاصة في الذاكرة الفلسطينية، لارتباطه بمحطات وأحداث تاريخية في القدس، مؤكدًا أن استهدافه يأتي ضمن مسعى لفرض واقع جديد بأسماء مهوّدة على حساب الهوية العربية والإسلامية للمدينة.

ولا يتوقف الأمر عند تغيير اللافتات، إذ يشير أبو دياب إلى وجود إجراءات أخرى في محيط باب العامود، من بينها نشر قوات الاحتلال والشرطة، ونصب كاميرات المراقبة، وتنفيذ أعمال وحفريات في المنطقة، معتبرًا أن تغيير الاسم يبقى من أخطر جوانب الاستهداف لأنه يمس ذاكرة المكان مباشرة.

استهداف الأجيال

وتحذر محافظة القدس من أن استمرار تغيير أسماء الشوارع والأبواب والمعالم التاريخية يستهدف الطابع التاريخي للمدينة ويفرض أمرًا واقعًا جديدًا، مؤكدة أن أسماء القدس ليست مجرد مسميات، وإنما جزء أصيل من ذاكرتها الوطنية والتاريخية والثقافية.

وبحسب المحافظة، فإن محاولة استبدال هذه الأسماء تشكل مساسًا بهوية القدس وتراثها العربي والإسلامي والمسيحي، فيما تؤكد أن تغيير اللافتات والمسميات لن ينجح في محو تاريخ المدينة أو طمس ذاكرتها الوطنية والحضارية.

وهكذا، تبدو معركة الاحتلال على أسماء القدس امتدادًا لمعركة أوسع على هوية المدينة وذاكرتها؛ فبينما يحاول الاحتلال تثبيت مسميات جديدة في الشوارع والخرائط والمشهد العام، تبقى أسماء مثل «باب العامود» حاضرة في الوعي الفلسطيني بوصفها جزءًا من تاريخ القدس الذي لا تمحوه لافتة ولا تغيّره تسمية.

المصدر: وكالات.