مقالات

لا تجعلوا خيبة السياسة تهزم عدالة المعركة

بقلم :فارس فؤاد البنا

إعلامي وناشط سياسي

في الأيام الماضية، شيّعت الجماعة الانقلابية عشرات بل مئات القتلى من عناصرها وقياداتها الميدانية، وفق ما أعلنه إعلامها، وحوّلت تلك الدماء إلى وسيلة جديدة للحشد والاستمرار

وفي المقابل، تداولت الأخبار سقوط عدد من الشهداء في صفوف قوات الجيش ، لكن الفارق لم يكن في الخسارة بقدر ما كان في طريقة التعاطي معها.

فقد ذهب البعض إلى القول إن الشرعية لا تستحق التضحية بجندي واحد، وكأن الجندي يقاتل من أجل مسؤول أو رئيس، لا من أجل قضية ووطن ومستقبل شعب!!

من الطبيعي أن نحزن على كل شهيد وأن نستشعر قيمة كل روح تُبذل دفاعاً عن الكرامة والحرية، بل إن هذا الشعور الإنساني يمثل أحد الفوارق بين مشروع يقدّر الإنسان ومشروع لا يتردد في الزج بأتباعه إلى المحارق لتحقيق أي مكسب.

لكن تقدير التضحيات لا ينبغي أن يتحول إلى تشكيك بالقضية نفسها، فمواجهة الحوثـ.ـي لم تبدأ كمهمة رسمية أو استجابة لتوجيهات سلطة، بل انطلقت من قناعة وطنية وإيمان عميق بالدفاع عن الكرامة الإنسانية والعقيدة السليمة والدولة وحقوق المواطنة.

كانت المقاومة فكرة قبل أن تكون مؤسسة، وكانت موقفاً شعبياً قبل أن تصبح تشكيلات عسكرية وسياسية.

لم يلتحق المقاومون بالعليمي أو بالمجلس الرئاسي أو بأي مسؤول، بل التحق الجميع بقضية عادلة، أما المسؤولون فهم مراحل متغيرة، بينما تبقى القضية هي الثابت الذي يمنح التضحيات معناها. وحتى عندما تخفق المؤسسات أو يعجز القادة عن تمثيل آمال الناس، فإن ذلك لا يلغي عدالة المعركة ولا يبرر التخلي عنها، لأن الأوطان أكبر من الأشخاص، والمبادئ لا تسقط بأخطاء من يمثلونها.

والدماء وحدها لا تصنع النصر فالمنهزم يدفع أثماناً أكبر من المنتصر. الفارق الحقيقي يكمن في عدالة القضية، ووعي المجتمع بطبيعة المعركة، وحسن إدارة التضحيات.

وفي زمن أصبحت فيه الكلمة سلاحاً مؤثراً، يتحمل الجميع مسؤولية حماية الوعي العام وعدم تحويل الإحباط من أداء المسؤولين إلى طعن في القضية نفسها.

فالجيش لا يستند إلى السلاح فقط، بل إلى مجتمع يؤمن بما يقاتل من أجله. وعندما يحظى بهذا السند يبقى صامداً مهما كانت التضحيات، أما الخذلان والتشكيك فيقوضان المعنويات ويخدمان خصوم الوطن أكثر مما يخدمان أي إصلاح أو نقد مشروع. ولذلك تبقى مسؤوليتنا جميعاً أن نفرّق بين نقد الأداء، وهو حق وواجب، وبين التشكيك بالقضية الوطنية التي من أجلها قدّم الشهداء أرواحهم، وما تزال تستحق كل صبر وتضحية، فالشهداء لم يسقطوا من أجل المسؤولين!