أخبار العالم

لأول مرة منذ عقود.. الذهب يزيح السندات الأميركية عن عرش الاحتياطيات العالمية

يشهد النظام المالي العالمي تحولاً تاريخياً عميقاً غير مسبوق منذ عقود، حيث أعلن البنك المركزي الأوروبي في تقريره السنوي الصادر اليوم، الثلاثاء، أن الذهب تجاوز رسمياً السندات الحكومية الأميركية ليصبح الأصل الاحتياطي الأكبر والأول في محافظ البنوك المركزية حول العالم.

ووفقاً للبيانات الموثقة التي كشف عنها التقرير، فقد قفزت حصة المعدن الأصفر لتشكل 27% من إجمالي أصول الاحتياطيات العالمية الرسمية بحلول نهاية عام 2025، مقارنة بنحو 20% في العام الذي سبقه.

وفي المقابل، تراجعت حصة ديون الحكومة الأميركية (السندات وخزانة الدولة) في هذه المحافظ إلى 22% بعد أن كانت تهيمن بنسبة 25%، مما يمثل أول تراجع من نوعه للسندات الأميركية أمام الذهب كأداة ارتكاز احتياطية أولى منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي.

هذا الصعود القياسي للذهب واستبداله للسندات الأميركية في صدارة الأصول الاحتياطية يعود بشكل أساسي إلى ما يُعرف بـ “تأثيرات التقييم” الناتجة عن الارتفاعات الفلكية لأسعار الذهب في الأسواق العالمية خلال العامين الماضيين، حيث قفزت أسعار المعدن الثمين بنسبة تقارب 30% في عام 2024 و60% في عام 2025، وصولاً إلى ذروة تاريخية غير مسبوقة عندما تجاوز سعر الأونصة حاجز 5,500 دولار أميركي في يناير 2026.

ويوضح خبراء البنك المركزي الأوروبي أنه عند تحييد فروق الأسعار والاعتماد على تقييمات نهاية عام 2023 الثابتة، فإن السندات الأميركية كانت ستحتفظ نظرياً بصدارتها بنسبة 26% مقابل 16% للذهب، إلا أن القيمة السوقية الفعلية الحالية حسمت التفوق لصالح السبائك الذهبية ميكانيكياً، لتعيد إلى الأذهان مستويات الهيمنة التي كان يتمتع بها المعدن النفيس خلال حقبة “بريتون وودز” عندما كانت العملات العالمية مرتبطة به مباشرة.

وإلى جانب الطفرة السعرية، فإن هذا التحول يعكس استراتيجية ممتدة وهجومية للبنوك المركزية – ولا سيما في الأسواق الناشئة ودول مجموعة بريكس – نحو تنويع أصولها وتقليل الاعتماد على المنظومة المالية الغربية والدولار الأميركي، وهي التحركات التي تسارعت وتيرتها بقوة عقب إقدام واشنطن وحلفائها على تجميد مئات المليارات من احتياطيات روسيا بالدولار في أعقاب حرب أوكرانيا عام 2022.

وقد علقت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، في التقرير مؤكدة أن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة والمخاطر السيادية والائتمانية المرتبطة بعبء الديون الأميركية المتزايدة تستمر في دفع الطلب القوي من البنوك المركزية للاحتفاظ بالذهب باعتباره أصلاً محايداً، غير قابل للتجميد، ولا يخضع لسيطرة أي حكومة أجنبية.

وتكشف البيانات التفصيلية أن البنوك المركزية حول العالم باتت تكتنز جماعياً أكثر من 36,000 طن من الذهب، حيث واصلت الشراء بصافي 850 طناً خلال العام الماضي، ورغم أن هذا المعدل يقل قليلاً عن مستويات المشتريات القياسية التي تجاوزت 1,000 طن سنوياً بين عامي 2022 و2024، إلا أنه حافظ على زخم الصدارة.

وجاءت كل من الصين، وبولندا، وتركيا، والهند في مقدمة الدول الأكثر تكديساً للذهب منذ عام 2022، حيث اشترت بكين وحدها أكثر من 350 طناً، تلتها بولندا بـ 320 طناً، في حين ظهرت مفاجأة أخرى في التقرير تمثلت في دخول مؤسسات التشفير الخاصة خط الشراء بقوة، إذ أصبحت شركة “Tether” (المصدرة لأكبر عملة رقمية مستقرة) المشتري المنفرد الأكبر للذهب في عام 2025 بعد الاستحواذ على أكثر من 100 طن.

وعلى الرغم من هذا التراجع التاريخي للسندات، يؤكد التقرير أن الأصول المقومة بالدولار الأميركي بمختلف أنواعها (بما يشمل النقد والودائع إلى جانب السندات) لا تزال تهيمن على الحصة الأكبر من مجمل الاحتياطيات العالمية الإجمالية بنسبة 42%، مما يعني أن الدولار يحافظ على ريادته كعملة تجارة واحتياطي عام، لكن مع تغير هيكلي في نوعية الأدوات الأمنية التي تفضلها البنوك؛ حيث لم تعد السندات الأميركية تُعامل كـ “ملاذ آمن مطلق”.

وفي الوقت نفسه، أشار التقرير إلى أن حصة الأصول المقومة باليورو استقرت عند 15%، وسط نمو تدريجي ومستقر لليورو في سوق السندات الدولية المستدامة والخضراء، وظهوره كعملة ملاذ آمن بديلة خلال الأزمات الجيوسياسية الأخيرة، مما يعكس بداية إعادة تشكيل واضحة ومستمرة لخارطة النقد والنظام المالي العالمي لتقليل الاعتماد على الديون الأميركية.