تشهد العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الولايات المتحدة وكندا تحولاً مفصلياً متسارعاً يهدد بتقويض عقود من الشراكة الاستراتيجية والتكامل التجاري بين البلدين المقربين. ففي خطوة جديدة تؤكد عمق الانقسام وانهيار جولات المفاوضات الشاقة، أعلنت الحكومة الكندية، اليوم الثلاثاء، فرض حزمة رسوم جمركية انتقامية واسعة النطاق تستهدف واردات أميركية بقيمة تُقدر بنحو 20 مليار دولار.
وتأتي هذه الخطوة رداً مباشراً على قرار الإدارة الأميركية بفرض رسوم عقابية قاسية بلغت 50% على قائمة ضخمة تضم أكثر من 550 منتجاً كندياً. هذا التصعيد يُمثل مرحلة جديدة من مواجهة تجارية مفتوحة، أطلقها البيت الأبيض بالاستناد إلى تشريعات قانونية قديمة تعود لنسبة عقود من الزمن، وهو ما قاد إلى تصريحات حادة وتبادل للاتهامات بين القيادتين في واشنطن وأوتاوا.
وفي تفاصيل الإجراءات الكندية المشددة، كشفت وزارة المالية الكندية عبر وثائق رسمية عن قائمة ممتدة تتألف من عشرات الصفحات تتضمن مئات المنتجات الأميركية التي ستخضع لرسوم جمركية مشددة تتراوح بين 15% و50% بدءاً من شهر سبتمبر.
وتستهدف الرسوم الجديدة قطاعات حيوية ومؤثرة داخل الاقتصاد الأميركي، مثل الصلب، والمعدات الزراعية، والأجهزة الكهربائية، والأوراق واللب، إضافة إلى المنتجات اللبنية والغذائية.
وشددت الحكومة الكندية على أن هذه القرارات صيغت مبدأ “دولار مقابل دولار” ونسبة بنسبة لردع الضغوط الأميركية لحماية العمال والصناعات الوطنية، بالتوازي مع تخصيص حزمة دعم مالي محلية بمليارات الدولارات لتخفيف الأضرار المتوقعة على القطاعات التجارية والشركات المتأثرة داخلياً.
من جانبه، استند الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قرار رفع الرسوم على المنتجات الكندية إلى البند 338 من قانون التعريفات الجمركية لعام 1930، وهو قانون نادر الاستخدام أُقر خلال فترة الكساد الكبير ويمنح الصلاحية للرئيس بفرض رسوم تصل إلى 50% على الدول التي يُرى أنها تمارس تمييزاً ضد المصالح التجارية الأميركية.
ووجه ترامب انتقادات لاذعة إلى السياسات الكندية، متهماً إياها باستغلال الاقتصاد الأميركي وفرض رسوم مرتفعة على المزارعين والمنتجات الأميركية.
كما هدد البيت الأبيض بتوسيع دائرة التعريفات الانتقامية لتشمل قطاع السيارات وقطع الغيار ورفع رسومها بشكل إضافي في المراحل القادمة، وسط تصريحات نارية عبر المنصات الرقمية أكدت فيها واشنطن أنها ليست بحاجة إلى المضي في علاقات تجارية لا تضمن لها الأسبقية.
على الجانب الكندي، أكد رئيس الوزراء مارك كارني عقب انهيار محادثات الفرصة الأخيرة أن العلاقة القديمة التي كانت تجمع البلدين قد انتهت نهائياً، وأن بلاده تدرك جلياً تغير النهج الأميركي للتعامل مع الشركاء والتجار.
وأشار مسؤولون في أوتاوا إلى أن التحركات الأميركية باتت تُمارس كضغط استراتيجي لتهديم القواعد الصناعية الكندية، مؤكدين أن الحكومة ستمضي قدماً في إستراتيجيتها القائمة على تنويع الشركاء التجاريين الدوليين للحد من الارتباط المباشر والاعتماد الشديد على السوق الأميركية.
ورغم إقرار الجانبين بأن حرب الرسوم ستنعكس سلباً على المستهلكين وستتسبب في رفع أسعار السلع الأساسية ومواد البناء وسلاسل الإمداد على جانبي الحدود، إلا أن التعنت السياسي والخطابات الحادة حسما الموقف نحو استمرار التصعيد التجاري خلال المرحلة المقبلة.



