حسين غازي
تستمرّ بطولة كأس العالم 2026 لكرة القدم التي انطلقت الخميس الماضي في إثارة الجدل بسبب نظام التأشيرات الذي يصدم في كلّ يوم شخصية أخرى من عالم كرة القدم، فبعد منع الحكم الصومالي عمر عرتن، و15 عضواً من الجهاز الإداري والفني لمنتخب إيران، واجه العديد من الصحافيين مشكلات في دخول الولايات المتحدة تحديداً، وهذا ما أكده رئيس رابطة الصحافة الرياضية جياني ميرلو.
ولم يعد الأمر مرتبطاً بالحديث فقط عن أن كأس العالم 2026 هي النسخة الكبرى في تاريخ اللعبة، بل يستمر الجدل حول مسائل أخرى، فبعد الحديث عن المشكلات البيئية والتحضيرات الأمنية المتعلقة حتى بالشق السيبراني وصولاً إلى الترتيبات الصحية، تبقى جدلية الخصوصية والمراقبة الرقمية واحداً من الهواجس التي قد تؤثر بشكلٍ غير مباشر على المشجعين وحتى الصحافيين، وذلك مع اعتماد المدن المضيفة على منظومات تقنية متطورة لمراقبة الحشود وتأمين المنشآت الرياضية.
الصحافيون يواجهون تحديات كبيرة في كأس العالم
خلال كأس العالم 2022 كان الحصول على تأشيرة الدخول إلى دولة قطر أمراً يسيراً لكلّ من تقدّم بطلب لتغطية هذه النسخة، وقد كنّا يومها جزءاً في “العربي الجديد” من هذا الحدث، لكن وقبل فترة من انطلاق هذا الحدث، كانت قد حذرت منظمة “مراسلون بلا حدود” في أكثر من مناسبة من أن آلاف الصحافيين قد يواجهون بيئة عمل معقدة، تتجاوز متابعة المباريات والمؤتمرات الصحافية التقليدية والكلاسيكية، خاصة بعد التطورات التي أدخلتها الولايات المتحدة، تحديداً تلك المرتبطة بالتدقيق الإلكتروني على الحدود، مع الاعتماد على تقنيات المراقبة التي تفرض على الإعلاميين اتخاذ احتياطات إضافية قبل أن تحطّ أقدامهم على أراضي “بلاد العم سام”.
ومن الأمور المثيرة للجدل أن السلطات الأميركية لديها كامل الصلاحية في تفتيش الأجهزة الإلكترونية للوافدين عند المعابر الحدودية والمطارات، إن كان على الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب وحتى البريد الإلكتروني والمحتويات الرقمية المخزنة، وقد شاهدنا بالفعل ما عاشه اللاعب العراقي أيمن حسين، الذي بقي محتجزاً لمدّة سبع ساعات، بينما رفضت تأشيرة مواطنه مصور منتخب “أسود الرافدين” طلال صلاح ليضطر إلى العودة إلى بلاده.
وأوصت المنظمة الصحافيين بإزالة المواد الحساسة من أجهزتهم، وعدم ترك أي مجال لرفض تأشيرتهم، إلى جانب تأمين بياناتهم للحفاظ على سرية المعلومات قدر المستطاع، مع العلم أن التخوف لا يقتصر على هذا الشق فقط، إذ ذكر المصدر عينه أن الاعتماد الصحافي وحده لن يكون رادعاً أو أداة حماية لهم من التعرض للتوقيف المؤقت أو الاستجواب.
وبالحديث عن البلدين المضيفين الآخرين إلى جانب الولايات المتحدة، فإن المكسيك تصنّف من أكثر الدول خطورة على الصحافيين، ولذلك يُفضل توخي الحذر عند العمل خارج المناطق المرتبطة بالبطولة بشكلٍ مباشر، تحديداً عند تناول ملفات الجريمة المنظمة أو الفساد وحتى القضايا الأمنية المحلية، في حين أن كندا ورغم تصنيفها في مركز متقدم على سلم مؤشرات حرية الصحافة، يُفرض على أولئك الذين يقومون بتغطية الاحتجاجات والتجمّعات العامة الالتزام ومواكبة الإجراءات الأمنية المحلية.
المشجعون: كتابٌ مفتوح في عصر المراقبة الذكية
بينما باتت التكنولوجيا تلعب دوراً متزايداً في تسهيل تجربة المشجعين داخل الملاعب وخارجها، من خلال بصمة العين على سبيل المثال، فإنها في الوقت عينه تجعل البطولة واحداً من أكثر الأحداث الرياضية على مرّ التاريخ اعتماداً على جمع البيانات وتحليلها، بعدما توسّع وتطوّر استخدام كاميرات المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتقنيات التعرف على الوجوه من خلال الطائرات المسيّرة وكذلك أنظمة تحليل الحشود، وهي التي سيكون لها الدور الأكبر في التعرّف على الحاضرين بشكلٍ سريع في محاولة لاستباق أي عمل قد يهدد أمن هذه النسخة وسلامتها.
وذكر تقرير لصحيفة ذا غارديان البريطانية في وقتٍ سابق، أنّ العديد من المدن المضيفة عملت على تطوير شبكات مراقبة قادرة على تحليل حركة الجماهير، والتعرّف على هويتها خلال الازدحام، وحتى التنبيه في حال إظهار أي سلوكات غير طبيعية أو مشكوك في أمرها، وعلى إثرها ترسل تنبيهات فورية إلى الجهات الأمنية والمختصين، للتدخل في الوقت المناسب في حال كان ذلك ضرورياً، في حين ستكون هناك تطبيقات رقمية مرتبطة بالحدث نفسه، وتتعلق بالتذاكر والنقل والخدمات اللوجستية، والهدف طبعاً تسهيل حركة المشجعين بين المدن والملاعب، لكن هذا الأمر يترك الباب مفتوحاً أمام جمع كمية ضخمة من البيانات المتعلقة بالموقع الجغرافي والتنقل.
ورغم أنّ هذه التقنيات باتت تشكل انتهاكاً صارخاً في الحقيقة لحريات الأفراد وخصوصيتهم، يدافع بعضهم عنها بشدّة ويتمسّك بها، إذ يرون أنّها باتت من الضروريات في ظل الأحداث الكبيرة التي تشهد حضور ملايين المشجعين، خاصة في ظلّ التهديدات الأمنية والجرائم الإلكترونية المتزايدة، لكن يبقى التحفظ موجوداً لدى المنظمات الحقوقية وخبراء الخصوصية الرقمية، الذين يحذرون من أن التوسع في استخدام تقنية التعرف على الوجوه قد يؤدي إلى مراقبة واسعة النطاق تتجاوز الحاجز الأمني المباشر، مع عدم وجود أي ضوابط تقنن هذه العملية، أو تجيز حذفها من قاعدة البيانات بعد السفر وعودة الجماهير إلى بلادها.
المصدر: العربي الجديد



