أخبار المنطقة

غزة بين التصعيد والتفاوض.. إسرائيل تلوّح بالتوغل والبند الثامن يعقّد محادثات القاهرة

تتزايد المؤشرات الإسرائيلية الدالة على احتمال العودة إلى العمليات العسكرية الواسعة في قطاع غزة، في وقت تتواصل فيه الجهود السياسية التي تقودها القاهرة بمشاركة وسطاء إقليميين ودوليين لدفع مسار وقف إطلاق النار نحو مراحل أكثر استقراراً. وبينما تتحدث المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عن جاهزية ميدانية وخطط هجومية جديدة، لا تزال المفاوضات المتعلقة بمستقبل القطاع تصطدم بعقبات جوهرية، يتصدرها ملف سلاح المقاومة وترتيبات اليوم التالي للحرب.

وتكشف المعطيات المتداولة في الأوساط السياسية والأمنية عن مشهد معقد تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المسارات الدبلوماسية، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي تعثر التفاهمات إلى فتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد قد تحمل تداعيات إنسانية وأمنية واسعة على قطاع غزة والمنطقة بأسرها.

استعدادات عسكرية

وفق ما أوردته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، صادق رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير خلال الأسابيع الأخيرة على عدة خطط عملياتية قدمتها القيادة الجنوبية، ضمن نقاشات تناولت سيناريوهات استئناف العمليات البرية في قطاع غزة.

وتشير التقارير الإسرائيلية إلى أن الجيش يرفع مستوى الجاهزية لاحتمال العودة إلى قتال واسع النطاق، مستنداً إلى تقديرات تزعم أن حركة حماس تمكنت خلال الأشهر الماضية من إعادة ترميم جزء من قدراتها العسكرية والتنظيمية، بما يشمل شبكات الأنفاق ومنظومات القيادة والسيطرة التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال الحرب.

وتأتي هذه الاستعدادات في ظل ضغوط يمارسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على المؤسسة الأمنية للإبقاء على جاهزية القوات العسكرية، رغم أن الحكومة الإسرائيلية لم تتخذ حتى الآن قراراً رسمياً بتوسيع نطاق العمليات أو العودة إلى حرب شاملة داخل القطاع.

وفي هذا السياق، برزت تصريحات قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال يانيف عاسور، الذي يرى أن استمرار الوضع الحالي لا يحقق الأهداف الإسرائيلية المعلنة، لا سيما في ما يتعلق بملف نزع سلاح المقاومة، معتبراً أن غياب جهة دولية قادرة على تنفيذ هذه المهمة قد يدفع إسرائيل في نهاية المطاف إلى شن عمليات أوسع داخل القطاع.

كما تعكس هذه المواقف توجهاً متنامياً داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نحو تجاوز ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو الخط الذي يفصل بين مناطق الانتشار العسكري الإسرائيلي شرق القطاع والمناطق التي يسمح للفلسطينيين بالتحرك فيها غرباً، والذي تسيطر إسرائيل عبره على نحو 60% من مساحة قطاع غزة.

حسابات سياسية

ورغم الخطاب العسكري المتصاعد، فإن القرار الإسرائيلي لا يزال محكوماً بجملة من الاعتبارات السياسية والإقليمية. فاستئناف الحرب بشكل واسع يحمل مخاطر متعددة، سواء على مستوى الضغوط الدولية المتزايدة تجاه إسرائيل أو على صعيد الترتيبات السياسية التي يجري العمل عليها عبر الوسطاء.

ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية تحاول الموازنة بين مطالب التيارات اليمينية الداعية إلى الحسم العسكري الكامل وبين الضغوط الخارجية التي تدفع باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف لبدء ترتيبات سياسية وإدارية جديدة في القطاع.

كما أن استمرار الخروقات العسكرية الإسرائيلية اليومية، بما يشمل عمليات القصف والاستهداف في مناطق متفرقة من غزة، يشير إلى أن وقف إطلاق النار ما زال هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة، خصوصاً إذا تعثرت المفاوضات الجارية بشأن القضايا العالقة.

عقدة السلاح

في المقابل، تتواصل في القاهرة اجتماعات مكثفة تضم فصائل فلسطينية ووسطاء من مصر وقطر وتركيا، بهدف استكمال مناقشة ما بات يعرف بخارطة الطريق الخاصة بمرحلة ما بعد الحرب.

وبحسب مصادر مطلعة على سير الاجتماعات، فقد جرى التوافق على غالبية البنود المطروحة ضمن الوثيقة التفاوضية، بينما بقي البند المتعلق بسلاح المقاومة العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق نهائي.

وتنص إحدى الصيغ المطروحة على تنفيذ عملية تدريجية لحصر السلاح وفق جدول زمني محدد، وبمشاركة لجنة وطنية فلسطينية وقوة استقرار دولية وآليات رقابة وتنفيذ خاصة، إلا أن هذا الطرح واجه اعتراضات من حركة حماس وفصائل أخرى.

وترى الفصائل أن منح أي دور أمني مباشر لقوة الاستقرار الدولية داخل قطاع غزة يتجاوز التفاهمات السابقة، التي حصرت مهام هذه القوات في الفصل بين الأطراف والوجود بالمناطق الحدودية دون التدخل في الملفات الأمنية الداخلية.

كما أبدت الفصائل اعتراضاً على استخدام مصطلحات مثل “جمع السلاح” أو “نزعه”، متمسكة بصيغة تتحدث عن “التعامل مع ملف السلاح” ضمن إطار وطني فلسطيني متفق عليه، وبما لا يمس بمبدأ حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال.

وفي السياق ذاته، أثارت بعض الصياغات المتعلقة بـ”البنية التحتية للمقاومة” تحفظات واسعة، إذ اعتبرت الفصائل أن هذا الوصف فضفاض ويمكن أن يستخدم لتبرير استهداف أو المساس بمنشآت مدنية وخدمية داخل القطاع.

مسار متعثر

ورغم استمرار المشاورات، تشير المعطيات إلى وجود تباينات واضحة بين الأطراف المختلفة بشأن آليات تنفيذ أي اتفاق مستقبلي، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة السلاح ودور الجهات الدولية في إدارة المرحلة الانتقالية.

وفي حين تتحدث مصادر فلسطينية عن إحراز تقدم في معظم البنود الأخرى، لا تزال المواقف الإسرائيلية والدولية تدفع باتجاه ترتيبات أكثر تشدداً في ملف السلاح، وهو ما تعتبره الفصائل الفلسطينية تجاوزاً للثوابت الوطنية ومحاولة لفرض شروط سياسية وأمنية جديدة تحت غطاء الترتيبات الدولية.

كما أن الحديث عن رفض إسرائيلي لبعض المقترحات المطروحة يعكس استمرار الفجوة بين رؤية الفصائل الفلسطينية والاشتراطات الأمنية التي تطرحها تل أبيب، الأمر الذي يضع الوسطاء أمام مهمة معقدة لتقريب وجهات النظر ومنع انهيار المسار التفاوضي.

مفترق حاسم

في ضوء هذه التطورات، تبدو غزة أمام مفترق طرق بالغ الحساسية. فبينما تتسارع التحضيرات العسكرية الإسرائيلية وتتواصل التهديدات بالعودة إلى القتال، تحاول الجهود الدبلوماسية الحفاظ على نافذة سياسية تمنع الانزلاق نحو جولة جديدة من الحرب.

وتعكس حالة التداخل بين المسارين العسكري والسياسي حجم التعقيدات التي تحيط بالقطاع بعد سنوات من الحرب والدمار، حيث أصبح مستقبل وقف إطلاق النار مرتبطاً إلى حد كبير بقدرة الوسطاء على تجاوز الخلافات المتعلقة بملف السلاح وإيجاد صيغة توازن بين المطالب الأمنية الإسرائيلية والرؤية الفلسطينية لمستقبل القطاع.

وفي حال فشلت هذه الجهود، فإن احتمالات التصعيد ستبقى قائمة، ما ينذر بمرحلة جديدة من المواجهة في وقت لا يزال فيه قطاع غزة يواجه أوضاعاً إنسانية واقتصادية هي الأكثر صعوبة منذ بدء الحرب.

المصدر : وكالات .