تقارير

صناعة التضييق.. مليشيات الحوثي تحاصر طقوس الأعراس في المحويت والحديدة

تقرير خاص

في المناطق الساحلية والسهول المنخفضة بمحافظات الحديدة والمحويت وحجة، لا ترتبط تفاصيل الحياة اليومية بالخلفيات السياسية أو المذهبية، بل تحكمها جغرافية المنطقة وطبيعة مناخها الشديد الحرارة؛ حيث فرضت درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية على السكان على مر العقود والقرون مواءمة طقوسهم وأفراحهم لتكون في ساعات المساء والليل، تجنباً للاكتظاظ والتجمع في ساعات النهار الرطبة.

غير أن الآونة الأخيرة شهدت تحولاً لافتاً ومقلقاً طرأ على إدارة هذه المساحة الاجتماعية الخاصة من قِبل السلطات القائمة التابعة لمليشيات الحوثي، التي عبرت بقراراتها وتدخلاتها حدود الإدارة العامة والمرافق الرسمية، لتمتد مباشرة إلى أخص تفاصيل المناسبات الشخصية وأعراف المجتمعات المحلية المستقرة منذ أزمنة طويلة، في خطوة تمس صلب الاستقرار الاجتماعي وتحدث حالة من التوتر المكتوم داخل الأوساط الشعبية.

تغيير النمط البيئي

شهدت القرى والمديريات الواقعة في أطراف المحويت وشريط تهامة صدور توجيهات متوالية عبر المشائخ والعقال وأمناء العقود، تنص على حظر إقامة حفلات الزفاف والفعاليات النسائية ليلاً، وإلزام الأهالي بإقامتها في نهار اليوم نفسه، وذلك تحت طائلة المساءلة والغرامات المالية والاحتجاز لكل من يخالف هذه التعليمات الصارمة.

وفي منشور للناشط المحلي عبدالرحمن النويرة، نقل أبعاد هذه الإجراءات وآثارها على المجتمعات المحلية، موضحاً أن مناطقهم مثل عزلة الظاهر بمديرية الخبت، المحاذية لمديرية القناوص في شريط تهامة، تعاني مناخاً حاراً للغاية يفرض بطبيعة الحال تنظيم المناسبات في الفترة الليلية لتفادي مشقة الحر الشديد والتكدس البشري تحت الشمس الحارقة.

وتطرق النويرة إلى أن التساؤل الميداني السائد لدى السكان يتركز حول الجدوى الخدمية أو التنظيمية من فرض آليات لا تتناسب إطلاقاً مع البيئة المحلية ولا تُراعي الظروف المناخية، في وقت تتراكم فيه أزمات معيشية واقتصادية حادة -من انقطاع للخدمات الأساسية والكهرباء والماء والفرص الاقتصادية ومعاناة المرتبات- والتي تُعد، بحسب تعبيره، أولى بالمعالجة والاهتمام من التدخل في تحديد مواعيد الأفراح العائلية.

من جانبه، أشار الصحفي سمير النمري في رصده الميداني للوضع بقرى المحويت التي ينتمي إليها إلى أن البُعد الاجتماعي لتلك القرارات القسرية تسبب في حالة من الإرباك الشديد والضغوط النفسية داخل الأسرة اليمنية التي وجدت نفسها بين فكي التقاليد الموروثة والتعليمات السلطوية.

ونقل النمري شهادات موثقة من الواقع المحلي لعرائس وأهالٍ أبدوا عجزهم عن إقامة أفراحهم بالطقوس والترتيبات التي اعتادوا عليها منذ طفولتهم.

وتضمن حديثه عن حالات إنسانية مؤلمة، بينها عرائس بَكين في ليلة زفافهن جراء منعهن من استكمال أفراحهم في المساء وإجبارهن على إنهاء التجمعات فوراً، وصولاً إلى رجاء أسر وأولياء أمور بالسماح لهم بالاحتفال ليلاً وفق الأعراف القائمة حتى وإن كلفهم ذلك دفع غرامات أو مواجهة احتجاز الأب لعدة أيام لدى الأجهزة الأمنية، مما يعكس الأثر المباشر لهذه القرارات على السكينة العامة للقرى والروابط الأسرية التي ظلت متماسكة عبر السنين.

شرعنة القيود بالتخوين

تعتمد مليشيات الحوثي في تسويق هذه القيود وتنفيذها على تقديم خطاب يستند إلى مفاهيم مثل “حماية الفضيلة” و”حراسة القيم” ومواجهة ما تسميه “الحرب الناعمة”، معتبرة الانضباط باللوائح الجديدة جزءاً أساسياً من الالتزام بالمظهر العام والتعليمات الصادرة من القيادات التنفيذية.

وفي كثير من الأحيان، يتم التلميح إلى أن مخالفة هذه الضوابط لا تُعد مجرد خروج عن لائحة تنظيمية أو عرف محلّي، بل تُصنف فوراً كإضرار بالأمن العام أو مساس بالمنظومة الأخلاقية وربما ربطها بملفات سياسية وأمنية معقدة لا صلة للأهالي بها.

في مقابل هذا الخطاب، أفاد المواطن أحمد الأهدل من مديرية باجل لصحيفة “الوعل اليمني” بأن المجتمع المحلي في الحديدة والمناطق المجاورة يرى في هذه التبريرات وسيلة لإيجاد ذريعة للتضييق على كاهل المواطنين الذين يعيشون أصلًا تحت ظروف معيشية بالغة القسوة وانعدام تام للخدمات.

ويضيف الأهدل أن ما يؤرق الأهالي هو أن أي اعتراض أو احتجاج صريح على هذه الإجراءات يُقابل فوراً باتهامات تمس أخلاقيات المجتمع وأعرافه المحافظة التي ظل متمسكاً بها طوال تاريخه، حيث يسعى الإعلام المحلي التابع للمليشيات والمشرفون الميدانيون إلى توصيف الرافضين للقيود وكأنهم يروجون للفساد أو يتنكرون للقيم.

وأكد الأهدل أن إصرار القيادات الميدانية والمشرفين التابعين للمليشيات على إلزام الشخصيات الاجتماعية والعقال بتوقيع “وثائق وتعهدات مجتمعية” يضع العقال والمشائخ في مواجهة مباشرة وحرجة مع أبناء أسرهم وقراهم.

وتحت هذه الضغوط الشديدة، يتحول هؤلاء العقال بموجب الوثائق الموقعة إلى أدوات لتنفيذ لوائح قسرية تحرم الناس من ممارسة عاداتهم البسيطة والمستقرة، وتستبدل الأعراف التلقائية التي حمت المجتمع لعقود بآليات قائمة على المنع والرقابة والملاحقة.

تأسيس السيطرة الشاملة

ويرى محللون محليون في أحاديثهم لـ “الوعل اليمني” أن خطورة هذه الإجراءات المتزايدة لا تكمن فقط في حظر حفل زفاف محدد أو تغيير موقعه الزمني من الليل إلى النهار، بل في المنهجية الشمولية التي تعتمدها مليشيات الحوثي لإحكام السيطرة التامة على الشارع وتسيير الميدان المحلي وفق أطر منضبطة تقيد المجتمع وحرياته.

وتتدرج هذه السياسة المتبعة من فرض قيود صلبة على حفلات تخرج الطلاب والفعاليات الأكاديمية والاجتماعية في المراكز الحضرية والمدن -بحجة الحد من الاختلاط وحظر الموسيقى والفعاليات غير المرخصة- وصولاً إلى التدخل المباشر في تفاصيل الأعراس والمناسبات العائلية بالقرى والأرياف والمناطق النائية؛ حيث تُفرغ المناسبات من طابعها العرفي الاجتماعي للتكيف مع نمط ملزم ومفروض سلطوياً من الأعلى.

ويُعتبر استبدال الطقوس الاجتماعية المعتادة بآليات وجداول ملزمة وسيلة تعتمدها الجماعات والمكونات ذات الطابع الشمولي لقياس مدى امتثال الشارع ومدى استجابته للقرارات التنفيذية في تفاصيل حياته اليومية.

ويرى الناشطون أن هذه السياسات تؤدي في نهاية المطاف إلى تقليص هامش المبادرات الفردية والمجتمعية المستقلة، وإحلال هياكل خاضعة بشكل كامل للرقابة والإشراف والتوجيه المباشر، في بيئة باتت تشهد تراجعاً مستمراً للمساحات الخاصة لصالح التوجيهات الرسمية والأمنية القائمة.