يواجه آندي بورنهام، المرشح الأبرز لخلافة كير ستارمر ورئيس الوزراء البريطاني المرتقب، عاصفة من الانتقادات الواسعة وموجة تدقيق سياسي حاد من منظمات يهودية قيادية وأعضاء داخل حزب العمال البريطاني.
وجاءت هذه الردود الغاضبة في أعقاب مقطع فيديو وتصريحات علنية أدلى بها بورنهام، قدم فيها اعتذاراً صريحاً ومفاجئاً عن الموقف الأولي لحزبه تجاه الحرب في غزة، معترفاً بأن حزب العمال “لم يصب صحيح الموقف” في البداية وكان “بطيئاً للغاية” في المطالبة بوقف إطلاق النار.
ولم يقتصر تصريحه على الاعتذار، بل لوّح باتخاذ إجراءات أكثر صرامة في حال توليه رئاسة الحكومة، تشمل فرض عقوبات إضافية على الشخصيات والوزراء الإسرائيليين المتورطين في عنف المستوطنين، ودراسة تدابير حظر تجارة السلع والمنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية، معتبراً المعاناة الإنسانية في القطاع “ندبة في ضميرنا الجماعي” ومشيراً إلى وجود أدلة متزايدة على ارتكاب “جرائم حرب”.
وأثارت هذه التصريحات مخاوف وقلقاً بالغاً لدى الهيئات الممثلة للجاليات اليهودية في بريطانيا، حيث أصدر “مجلس نواب اليهود البريطانيين” (Board of Deputies of British Jews) بالاشتراك مع “مجلس القيادة اليهودية” (JLC) بياناً موحداً أكدا فيه تواصلهما المباشر مع فريق بورنهام للتعبير عن “مخاوف جوهرية وعميقة” إزاء موقفه الجديد.
ورغم ترحيب المنظمتين بتأكيد بورنهام على سياسة “عدم التسامح مطلقاً” مع معاداة السامية وإدانته لهجمات السابع من أكتوبر، فإنهما حذرتا من التداعيات الأمنية والاجتماعية لهذه التصريحات، مذكرتين إياه بالروابط الوثيقة في الداخل البريطاني بين الخطاب المتطرف المناهض لإسرائيل وتصاعد وتيرة العنف الفعلي والعداء الموجه ضد اليهود البريطانيين في مجتمع أصبحت فيه مظاهر معاداة السامية أكثر عنفاً وتنظيماً، ومطالبتين القادة السياسيين بإظهار أقصى درجات الحذر والاتزان في تصريحاتهم.
وفي المقابل، فتح اعتذار بورنهام جبهة انتقادات داخلية أخرى من الجناح اليساري لحزب العمال ومن قوى سياسية بديلة كحزب الخضر، ولكن لسبب مغاير تماماً؛ حيث اعتبر منتقدوه من هذا الجانب أن موقفه ما زال “قاصراً ودبلوماسياً أكثر من اللازم”.
وانصبت الانتقادات على رفض بورنهام الصريح استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية” لوصف العمليات العسكرية الإسرائيلية، متمسكاً بالقول إن البت في هذا الوصف القانوني هو شأن حصري للمحاكم الدولية وليس للسياسيين.
وهاجم نائب زعيم حزب الخضر، موثين علي، هذا التبرير معتبراً أن الاختباء وراء المحاكم الدولية يعد تهرباً قانونياً، مشيراً إلى أن الاعتراف بوقوع جرائم حرب يفرض تلقائياً بموجب القانون البريطاني تعليقاً فورياً وشاملاً لجميع مبيعات الأسلحة ومكوناتها إلى إسرائيل، وهو ما لم يلتزم به بورنهام بشكل كامل بعد.
ويأتي هذا التحول الجذري في خطاب بورنهام كمحاولة سياسية مدروسة لاستمالة الناخبين التقدميين والشباب والجاليات المسلمة الذين انفضوا عن حزب العمال خلال الانتخابات الأخيرة لصالح المرشحين المستقلين وحزب الخضر، احتجاجاً على السياسة السابقة لـ كير ستارمر الذي واجه أزمة خانقة منذ أكتوبر 2023 حين أيد في البداية حق إسرائيل في قطع المياه والكهرباء عن قطاع غزة.
ورغم الخطوات اللاحقة التي اتخذتها حكومة العمال مثل الاعتراف بدولة فلسطين وفرض قيود جزئية على تراخيص الأسلحة وسجن بعض المستوطنين، يرى مراقبون أن تصريحات بورنهام تعكس رغبة القيادة الجديدة في إحداث قطيعة مع الإرث السياسي لستارمر الذي أضر بشعبية الحزب في الدوائر الانتخابية الكبرى بالمدن البريطانية.



