شهدت الساعات الأخيرة تصعيدًا عسكريًا لافتًا في البحر الأسود وحوض بحر آزوف، حيث أقدمت السلطات الروسية، مساء الجمعة، على تعليق حركة الملاحة البحرية بشكل مؤقت في الممر المائي الاستراتيجي المعروف بقناة “آزوف-دون”، والذي يربط نهر الدون ببحر آزوف.
وجاء هذا القرار الروسي الحاسم عقب تعرض سلسلة من السفن والناقلات الروسية لهجوم واسع ومكثف بالطائرات المسيرة نفذته القوات الأوكرانية في مياه بحر آزوف، وتحديدًا في خليج تاغانروغ.
وأفادت بلاغات صادرة عن حرس الحدود الروسي التابع لجهاز الأمن الفيدرالي (FSB) لشركات الشحن، بأن السلطات توقفت تمامًا عن استقبال طلبات عبور السفن عبر مضيق كيرتش الذي يربط بحر آزوف بالبحر الأسود، دون تحديد سقف زمني لرفع هذا الحظر أو إنهاء حالة الإغلاق.
وجاء هذا التحرك الروسي الميداني كرد فعل مباشر على ضربات نوعية من الجانب الأوكراني، حيث أعلن اللواء روبرت بروفدي “مديار”، قائد قوات الأنظمة المسيرة في الجيش الأوكراني، إلى جانب بيان رسمي من هيئة الأركان العامة الأوكرانية، نجاح القوات في استهداف أسطول مصغر من السفن الروسية في مياه آزوف.
وأشارت المصادر الأوكرانية إلى رصد ضربات دقيقة طالت نحو 21 ناقلة نفط روسية يُعتقد أنها تُستخدم لنقل النفط والمشتقات البترولية للالتفاف على العقوبات الدولية، بالإضافة إلى استهداف أربع قاطرات بحرية وسفينتي شحن جاف وسفينة متخصصة في أعمال الجرف والصيانة، بينما تحدثت تقارير أولية لوكالة رويترز عن تضرر ما لا يقل عن 13 سفينة في بداية الهجوم.
من جانبها، أكدت السلطات المحلية الروسية في مقاطعة روستوف وقوع الهجوم، مشيرة إلى إصابة سفينة شحن محملة بمادة الميثانول في خليج تاغانروغ، مما أسفر عن مقتل أحد أفراد الطاقم، مع التأكيد على عدم وجود تسريب للمواد الكيميائية الخطيرة.
ولم تتوقف تداعيات هذا الهجوم عند الشق العسكري فحسب، بل امتدت سريعًا لتلقي بظلالها على أسواق الغذاء الدولية وتثير مخاوف حقيقية من أزمة قمح عالمية جديدة.
ووفقًا لمحللي قطاع الحبوب والبورصات العالمية، فإن ما يقرب من ربع صادرات روسيا من القمح والشحنات الزراعية تمر تاريخيًا عبر موانئ بحر آزوف وقناة “آزوف-دون”، المتاخمة لأكبر منطقتين لإنتاج الحبوب في روسيا وهما روستوف وكراسنودار.
ونتيجة للمخاوف الفورية من تعطل سلاسل الإمداد وتوقف الشحن من أكبر مصدّر للقمح في العالم، قفزت أسعار القمح في بورصة “يورونكست” الأوروبية بنسبة بلغت نحو 4% فور انتشار الأنباء، لتسجل أعلى مستوى لها في غضون ستة أسابيع، وسط تحذيرات منظمات دولية من استمرار الإغلاق الذي قد يقلص المعروض العالمي.
وتزامنًا مع إغلاق الممرات المائية، شنت القوات الروسية قصفًا جويًا عنيفًا استهدف العاصمة الأوكرانية كييف ومناطق أخرى مستخدمة موجة واسعة من الطائرات المسيرة والصواريخ، مما أدى إلى اندلاع حرائق في ثلاثة أحياء سكنية مختلفة بالمدينة وإصابة ثمانية مدنيين على الأقل بجروح متفاوتة بينهم طفل.
وأوضحت الإدارة العسكرية لمدينة كييف أن الدفاعات الجوية تصدت للموجة بكفاءة عالية وأسقطت عشرات المسيّرات، إلا أن حطام المقذوفات تسبب في خسائر مادية في البنية التحتية المدنية، مما يعكس ترابط جبهات القتال البحرية والجوية في هذا الصراع المستمر.



