أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر رسميًا اليوم، الإثنين، استقالته من منصبه ومن زعامة حزب العمال الحاكم، في خطاب عاطفي ألقاه صباح اليوم أمام مقر رئاسة الوزراء في “10 داونينغ ستريت” بلندن، لينهي بذلك مسيرة سنتين فقط في السلطة بعد فوزه الساحق تاريخيًا في عام 2024.
وجاء هذا القرار المفاجئ إثر ضغوط برلمانية ووزارية مكثفة تصاعدت خلف الكواليس طوال عطلة نهاية الأسبوع، ودفعته للتنحي بعد أن باتت مكانته السياسية “غير قابلة للاستمرار” إثر هزيمة الحزب القاسية في الانتخابات المحلية الأخيرة وتراجع شعبيته بشكل حاد.
وأكد ستارمر في كلمته، التي بدا فيها متأثرًا وغالبته الدموع في نهايتها، أنه استمع بعناية لمخاوف نواب حزبه ووزرائه الذين تساءلوا علنًا عما إذا كان هو الشخص الأنسب لقيادة حزب العمال في الانتخابات العامة المقبلة، وأوضح أنه يقبل حكم الحزب بـ “كل صدر رحب” واضعًا مصلحة بريطانيا أولاً، كما تعهد ببذل كل ما في وسعه لضمان انتقال سلس ومسؤول للسلطة، مشيرًا إلى أنه سيستمر في تسيير أعمال الحكومة كـ “رئيس وزراء مؤقت” حتى اختيار خليفة له، مما يتيح له تمثيل المملكة المتحدة في قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” مطلع الشهر المقبل، قبل تنظيم البيت الداخلي وإجراء انتخابات زعامة الحزب التي يُتوقع اكتمالها بحلول سبتمبر المقبل.
وتعود الجذور العميقة لسقوط حكومة ستارمر السياسية إلى سلسلة من الأزمات الهيكلية المتراكمة وتراجع ثقة الناخبين؛ حيث واجهت إدارته صعوبات بالغة في الوفاء بوعود النمو الاقتصادي، وإصلاح الخدمات العامة، وتخفيف أعباء أزمة تكلفة المعيشة، وتعمقت الأزمة نتيجة تراجعه المتكرر عن سياسات معلنة (مثل تقليص مخصصات التدفئة الشتوية لكبار السن)، فضلاً عن فضيحة التعيين السياسي المثيرة للجدل لـ “بيتر ماندلسون” سفيراً لدى واشنطن بعد تكشف صلاته بالملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين، إلى جانب موجة استقالات وزارية واسعة هزت حكومته شملت عشرين وزيراً أبرزهم وزير الدفاع جون هيلي احتجاجًا على ميزانية الإنفاق العسكري.
وكانت القشة التي قصمت ظهر الحكومة هي فوز عمدة مانشستر الكبرى السابق، آندي بيرنهام، المقرب من الجناح العمالي والمنافس الأبرز لستارمر، في الانتخابات الفرعية لمقعد “ميكرفيلد” البرلماني الأسبوع الماضي وتحقيقه انتصارًا ساحقًا ضد حزب “إصلاح بريطانيا” اليميني، مما منحه تذكرة العودة المباشرة إلى وستمنستر وفجر تمردًا برلمانيًا فوريًا يطالب بتتويجه رئيسًا للوزراء لإنقاذ الحزب، ودفعت هذه النتيجة وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ، الذي كان يُنظر إليه كمنافس محتمل، إلى إعلان انسحابه ومبايعة بيرنهام لتجنب صراع داخلي طويل، مما يمهد الطريق لبيرنهام لتولي القيادة دون منافسة فعلية بحلول منتصف يوليو المقبل.
وقد أثار إعلان الاستقالة ردود فعل متباينة؛ حيث سارعت زعيمة المعارضة كيمي بادينوك، إلى جانب قادة أحزاب الليبراليين الأحرار واليمين، للمطالبة بضرورة الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة باعتبار أن البلاد لا تتحمل تنصيب رئيس وزراء سابع خلال عقد واحد دون تفويض شعبي مباشر.
وفي المقابل، حظي ستارمر بإشادات دولية فورية تقديراً لجهوده الدبلوماسية، إذ شكرته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على دوره في تعزيز الأمن الأوروبي والأوكراني ووصفته بالرجل الشجاع، بينما يترقب الشارع البريطاني والأوساط الاقتصادية ملامح العهد الجديد وسط تحذيرات من تأثير هذا الاضطراب السياسي على ملفات معقدة مثل العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي ومواجهة موجة الحر الحالية.



