في واحدة من أهم المحطات التنظيمية التي تمر بها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، انتخب مجلس الشورى العام للحركة، أمس الاثنين، خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي، خلفًا ليحيى السنوار، في خطوة تعكس استمرار عمل مؤسسات الحركة رغم الحرب والاغتيالات التي طالت عددًا من أبرز قادتها.
وجاء انتخاب الحية في وقت تواجه فيه الحركة تحديات سياسية وعسكرية معقدة، تتصدرها تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، واستكمال مفاوضات المرحلة الثانية، إلى جانب ملفات إعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.
تثبيت وقف النار
وبعد ساعات من انتخابه، تلقى الحية اتصالًا هاتفيًا من رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، الذي هنأه بثقة مجلس الشورى العام وانتخابه رئيسًا للحركة.
وأكد الحية، وفق بيان صادر عن حماس، استمرار العلاقة التاريخية مع مصر، مشيدًا بدورها في القضية الفلسطينية، ولا سيما جهودها في الوساطة الخاصة بتثبيت وقف إطلاق النار.
وشدد على أن الحركة ستواصل العمل مع مصر وقطر وتركيا لإنجاح جهود الوسطاء، وإنهاء معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، والعمل على تحقيق الانسحاب الإسرائيلي وإعادة إعمار القطاع.
ويأتي هذا الموقف في ظل استمرار الوساطات الإقليمية لاستكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بوساطة مصر وقطر وتركيا ورعاية أمريكية، بينما تؤكد وزارة الصحة في غزة استمرار الخروقات الإسرائيلية التي أوقعت مئات الضحايا منذ بدء الاتفاق.
دعم من خالد مشعل
وفي أول موقف عقب إعلان النتائج، هنأ رئيس حركة حماس في الخارج خالد مشعل، خليل الحية، معتبراً أن المرحلة الراهنة تستوجب توحيد الجهود وتسخير جميع الإمكانات لخدمة الشعب الفلسطيني، خاصة في قطاع غزة.
وأكد مشعل احترامه الكامل لنتائج الانتخابات، مشددًا على أن جميع أبناء الحركة يقفون خلف القيادة الجديدة بروح الأخوة والتكامل، والعمل المشترك لخدمة القضية الفلسطينية.
وأوضح أن الانتخابات جرت وفق اللوائح الداخلية للحركة، وفي أجواء مؤسسية تعكس التزام حماس بمبدأ الشورى، معتبراً أن هذا النهج يمثل أحد أهم عوامل قوة الحركة واستمراريتها.
كما دعا إلى مواصلة دعم الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، ومساندة الأسرى، والعمل مع مختلف القوى الوطنية بما يخدم المصلحة الفلسطينية.
تنافس متقارب ورسالة
وبحسب مصادر مطلعة، شهدت الانتخابات منافسة متقاربة بين خليل الحية وخالد مشعل، حيث حسم الحية المنصب بفارق صوت واحد، بعد حصوله على 35 صوتًا مقابل 34 لمشعل.
واعتبرت قيادات في الحركة أن هذه النتيجة تعكس طبيعة النظام الشوري داخل حماس، والتزام مؤسساتها باللوائح التنظيمية، حتى في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها الحركة منذ اندلاع الحرب.
وأكد القيادي محمود المرداوي أن رئاسة الحركة تمثل تكليفًا ومسؤولية وطنية وليست منصبًا تشريفيًا، مشددًا على أن القرار داخل الحركة يبقى قرارًا فلسطينيًا مستقلًا، رغم التواصل مع الدول والوسطاء الإقليميين.
قيادة في مرحلة استثنائية
ويُنظر إلى انتخاب الحية باعتباره امتدادًا لإعادة ترتيب هرم القيادة داخل الحركة بعد اغتيال عدد من قادتها، وفي مقدمتهم إسماعيل هنية ويحيى السنوار.
وبرز الحية خلال العامين الماضيين بوصفه كبير مفاوضي الحركة في محادثات وقف إطلاق النار، وقاد وفودها في جولات تفاوضية عدة مع الوسطاء، ما منحه حضورًا سياسيًا متقدمًا داخل الحركة وخارجها.
كما يتمتع بعلاقات وثيقة مع الوسطاء الإقليميين، إلى جانب خبرة تنظيمية طويلة بدأت منذ انضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين مطلع ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يكون من مؤسسي حركة حماس عام 1987.
أولويات المرحلة المقبلة
ويرى مراقبون أن انتخاب الحية لا يعني تحولًا في ثوابت الحركة أو سياساتها، بقدر ما يمثل محاولة للحفاظ على تماسك مؤسساتها في ظل الحرب، بينما تبقى الأولويات متمثلة في تثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال المفاوضات، ورفع المعاناة عن سكان قطاع غزة، إلى جانب إعادة الإعمار والتعامل مع الاستحقاقات السياسية والأمنية المقبلة.
وفي المقابل، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية وضغوطها الميدانية، مع استمرار استهداف كوادر الحركة وبنيتها التنظيمية، الأمر الذي يجعل القيادة الجديدة أمام واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ حماس.
المصدر : وكالات.



