تقارير

خطبة الجمعة تحت سلطة الحوثيين.. حين تتراجع الموعظة لصالح الدعاية

تقرير خاص

تواصل مليشيات الحوثي الإرهابية، الذراع الإيرانية في اليمن، تكثيف ضغوطها القسرية واستغلالها الممنهج للمؤسسات الدينية ودور العبادة في مناطق سيطرتها بالقوة، محولة منابر المساجد من ملاذات روحية ومنابر لإشاعة قيم التسامح والسكينة إلى منصات مفتوحة للدعاية السياسية والأيديولوجية الطائفية.

ومع كل موجة تصعيد عسكري أو سياسي تفتعلها الجماعة على مختلف الجبهات، تندفع قياداتها المشرفة على القطاع الديني نحو فرض خطباء ومرددين لشعاراتها الهادفة إلى غسل الأدمغة، في محاولة قسرية لتحويل صلاة الجمعة والمناسبات الدينية إلى بيانات عسكرية ونشرات إخبارية وتعبوية تؤجج الصراعات، ومهاجمة الحكومة الشرعية والدول المجاورة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

إلا أن هذا الشحن المتواصل واجه جداراً صلباً من الرفض المجتمعي المتصاعد والنفور الشعبي العارم الذي أفرغ المساجد من مرتاديها، وفضح حالة العزلة المتزايدة للمليشيا حتى في أوساط الموالين لها.

المنبر أداة للتعبئة

لم تعد خطبة الجمعة في مناطق سيطرة المليشيات الحوثية تدعو إلى التآخي أو تقدم المواعظ الأخلاقية والدينية المستمدة من القيم الإسلامية الجامعة، بل أضحت أداة تحشيد جهادية ومادة صريحة للترويج لأجندة طائفية مستوردة لا تمت لثقافة المجتمع اليمني بصلة.

فقد حرص المشرفون الثقافيون للمليشيات على انتزاع إدارة الجوامع بالقوة القسرية، وطرد الخطباء والعلماء المشهود لهم بالكفاءة والاعتدال، ليفردوا المساجد لممارساتهم الشاذة وقراءة البيانات السياسية الصادرة عن قيادة الجماعة، إلى جانب فرض المحاضرات التثقيفية القسرية على المصلين عقب الصلوات المفروضة.

هذا التحول الإجباري دفع آلاف المواطنين في صنعاء وبقية المحافظات الواقعة تحت قبضة المليشيات إلى مقاطعة الصلاة خلف هؤلاء الخطباء الجدد.
وفي حديث لـ”الوعل اليمني”، يؤكد المواطن يحيى صالح أن حالة من الغضب والاستياء العارم تسود أوساط السكان في صنعاء بسبب استغلال المساجد وتسييرها وفق أهواء المليشيا، حيث أصبحت الخطب التعبوية والدعاية الحوثية المتكررة سبباً رئيساً في عزوف الناس عن دخول الجوامع وقت الخطبة.

ويوضح يحيى أن الكثير من المواطنين باتوا يفضلون أداء الصلاة في منازلهم لتجنب الاستماع إلى الخطاب الطائفي، فيما يحرص آخرون على الحضور في اللحظات الأخيرة لأداء الفريضة فقط.
وينتظر هؤلاء سماع الإقامة ليفترشوا الأرصفة وأبواب المحلات التجارية المجاورة للمساجد، يؤدون الصلاة جماعة في العراء ثم يعودون سريعاً إلى أعمالهم وحياتهم اليومية، غير أبهين بالاستماع إلى الخطباء المشرفين أو الامتثال لإملاءاتهم الثقافية.

خطاب بلا جدوى

تأتي هذه الممارسات الإقصائية والتحريفية للعمل الديني كجزء لا يتجزأ من السلوك الأيديولوجي الذي قامت عليه المليشيات الحوثية منذ نشأتها الأولى.

وفي هذا السياق، يتحدث المحامي يوسف علي لـ”الوعل اليمني” موضحاً أن الخطاب الحوثي منذ انطلاقته قائم على سرديات عقيمة ومجترة لا تقدم أي حلول واقعية أو جدوى ملموسة للمجتمع، بل تسعى فقط لتزييف الوعي وتغطية الفشل الإداري والمعيشي والاقتصادي المريع في مناطق السيطرة.

ويضيف يوسف أن الناس بمختلف شرائحهم لم يعودوا يطيقون هذه الخطابات النمطية التي تفتقر للموضوعية والصدق وتتعارض مع الفطرة السليمة، لافتاً إلى أن حالة النفور والازدراء لم تعد تقتصر على المناهضين للمليشيا، بل امتدت لتشمل قطاعات واسعة من الموالين للحوثي أنفسهم، ممن ساهموا سابقاً في انتشاره وتثبيت أركان سلطته. فقد بات الجميع يدرك أن المليشيات تستغل الدين والعواطف الدينية لتحقيق مآرب سياسية وسلطوية ضيقة على حساب معيشة المواطنين وأمنهم، مما أفقدهم أي قواعد شعبية حقيقية وجعل خطابهم مجرد صدى في أروقة خاوية لا يجاوز آذان مريديهم المقربين.

حصار وعي المجتمع

تتصاعد حملات التعبئة الحوثية وتتضاعف أنشطتها الثقافية القسرية كلما واجهت المليشيات مأزقاً سياسياً أو معركة عسكرية متصاعدة، أو كلما شعرت بسخط مجتمعي ينذر بانفجار مكتوم.

يرى الناشط الإعلامي بدر سعيد، أن القيادة الحوثية تشعر بخوف قاطع من انقشاع الرؤية لدى المجتمع والاطلاع على واقع الهزائم السياسية والميدانية، لذا تلجأ في أوقات التوتر والمواجهة مع الحكومة الشرعية إلى تكثيف نشاطها الديني والأيديولوجي كمحاولة يائسة لحجب الحقيقة عن العامة، وللتقليل من اهتمام الشارع بتحركات الحكومة الشرعية ونشاطها السياسي والعسكري ومكاسبها الميدانية.

ويشير سعيد في حديثه لـ”الوعل اليمني” إلى أن الخطاب الحوثي بأكمله يعتمد على السرد الثقافي الجهادي المعادِ لكل ما هو مختلف، وهو ما أدى إلى حالة ملل شديدة لدى الشارع اليمني الذي يرى أن هذه الخطب المكررة أصبحت بلا أثر أو جدوى.

وتتزايد اليوم مظاهر الرفض المجتمعي بشكل يثير ذعر المليشيات؛ إذ لو راقب أي شخص محيط أحد الجوامع الكبيرة خلال صلاة الجمعة، سيلاحظ أن الأغلبية العظمى من المصلين يتجمعون في الخارج، ينشغلون بأحاديثهم الجانبية التي لا تخلو من تلعين الخطيب الحوثي ونهجه الطائفي، أو يلجؤون للترفيه والتحدث هرباً من الاستماع لما يصفه الجميع بـ”النشرة الإخبارية الطائفية”.

مقاطعة شعبية متصاعدة

إن المشهد اليوم في مناطق سيطرة الحوثيين يعكس حالة من الفصام التام بين سلطة أمر واقع فرضت السلاح وقمعت المنابر، وبين مجتمع واعٍ يرفض أن تُسلب منه عقيدته وكرامته وهويته الوطنية.

فلم تعد المحاضرات الثقافية التي يلقيها “المشرفون” بعد صلاة الجمعة تحظى بأي متابعة، بل أصبحت سبباً إضافياً في إخلاء المساجد فور انتهاء الفريضة، حيث يفر المصلون لخارج الأبواب تفادياً للإصغاء إلى خطابات الحقد والكراهية التي تبثها القيادات الحوثية.

ورغم كل محاولات الترهيب، والتثقيف الإجباري، والرقابة الأمنية المشددة على المساجد، تثبت الأرصفة المكتظة بالمصلين في شوارع صنعاء وبقية المدن اليمنية أن مشروع المليشيات الحوثية يفتقر إلى الأمثولة الأخلاقية والامتداد الشعبي. وإن استمرار استغلال المساجد لن يمنح المليشيا شرعية يفتقدونها في أصل نشأتهم، بل يزيد من وتيرة الرفض والاحتجاج الصامت الذي يتحول يوماً بعد يوم إلى قطيعة كاملة بين الشارع اليمني والسلطة الغاشمة التي تحكمه بقوة السلاح.