تعيش بريطانيا حالة من الترقب السياسي الشديد عقب تصاعد التكهنات والتقارير الصحفية المؤكدة التي تشير إلى أن رئيس الوزراء، كير ستارمر، بات على حافة الاستقالة، حيث يُتوقع أن يعلن غدًا الاثنين رسمياً عن تنحيه ووضع جدول زمني لمغادرة منصبه.
وتأتي هذه التطورات العاصفة بعد ضغوط خانقة مارسها نواب بارزون من حزب العمال الحاكم، والذين منحوا ستارمر مهلة حتى نهاية عطلة نهاية الأسبوع الجارية لتحديد موعد رحيله، أو مواجهة تمرد علني وإطاحة وشيكة خلال اجتماع مجلس الوزراء المرتقب يوم الثلاثاء المقبل.
ويمضي ستارمر عطلته الحالية رفقة عائلته في المقر الريفي لرؤساء الوزراء “تشيكرز”، حيث يعكف على دراسة خياراته ومناقشة مستقبله السياسي مع المقربين منه، في وقت أكد فيه وزير قطاع الأعمال، بيتر كايلي، أن رئيس الوزراء يمر بمرحلة تأمل للواقع السياسي المعقد، مشدداً على أنه يضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار، رغم محاولات بعض المصادر الحكومية الرسمية إبداء التمسك بالمنصب ووصف التقارير بأنها مجرد تكهنات.
وقد تسارعت وتيرة الأزمة السياسية بشكل دراماتيكي إثر الفوز الحاسم الذي حققه منافسه اللدود داخل الحزب، آندي برنهام (عمدة مانشستر الكبرى السابق)، في الانتخابات الفرعية لمقعد “ميكرفيلد” البرلماني وحصده لـ 55% من الأصوات، مما مهد له الطريق قانونياً لدخول مجلس العموم وأداء القسم غدًا الاثنين، وهو ما يتيح له إطلاق تحدٍ رسمي ومباشر لقيادة ستارمر.
واعتبر برنهام في خطاب نصره أن هذه اللحظة قد تكون نقطة التحول التاريخية التي تنتظرها البلاد، وسط توقعات متزايدة بين أقطاب حزب العمال بأن يؤول منصب رئيس الوزراء إليه عبر عملية “تتويج وتوافق” لتجنب معركة حزبية داخلية شرسة وطويلة قد تصيب الحكومة بالشلل، ولا سيما مع وجود منافسين آخرين مستعدين لخوض السباق مثل وزير الصحة المستقيل ويس ستريتينغ.
وتتزامن هذه الأزمة مع تصدعات حادة في بنية الحكومة ظهرت علنًا عقب الاستقالة المدوية لوزير الدفاع جون هيلي احتجاجاً على سياسات التقشف وعدم كفاية التمويل العسكري، مما فجر صراعاً داخلياً عميقاً بين الجناح المطالب بزيادة الإنفاق الدفاعي وجناح وزارة الخزانة بقيادة راشيل ريفز التي تركز على تقليص العجز المالي.
وتعكس هذه الهزة السياسية العنيفة تراجعاً حاداً في شعبية كير ستارمر الذي قاد حزب العمال لانتصار كاسح في يوليو 2024، إلا أن فترته الرئاسية سرعان ما تضررت جراء سلسلة من التراجعات عن الوعود الانتخابية وفشله في تحسين مستويات المعيشة وإصلاح الخدمات العامة المتردية، فضلاً عن تعيينه المثير للجدل لبيتر ماندلسون سفيراً لدى واشنطن.
وتخشى القواعد العمالية من خسارة تاريخية في الانتخابات المقبلة في ظل الصعود القوي لحزب “إصلاح بريطانيا” اليميني بقيادة نايجل فاراج الذي يتصدر استطلاعات الرأي الوطنية، وحزب الخضر الذي يجتذب الناخبين الليبراليين.
وحتى قبل الإعلان الرسمي، دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط الأزمة عبر منصته “تراث سوشيال”، معتبراً أن استقالة ستارمر المرتقبة تأتي نتيجة لفشله الذريع في ملفي الهجرة المتفاقمة والطاقة المتجددة.
وإذا ما تمت هذه الاستقالة، ستسجل المملكة المتحدة رقماً قياسياً غير مسبوق في عدم الاستقرار السياسي بتنصيب رئيس الوزراء السابع لها خلال عقد واحد فقط.



