غزة _ الوعل اليمني
حذرت مؤسسات حقوقية من عمليات واسعة ينفذها الاحتلال الإسرائيلي لإزالة وتفتيت ركام الأحياء السكنية المدمرة في قطاع غزة ونقله إلى مواقع خارج القطاع، مؤكدة أن هذه الإجراءات تهدد بطمس الأدلة المادية على الجرائم المرتكبة، وإتلاف رفات آلاف المفقودين الذين ما زالوا تحت الأنقاض.
وقال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في بيان نشره بتاريخ 3 أغسطس/آب، إن جيش الاحتلال الإسرائيلي، بالتعاون مع شركات إسرائيلية، يواصل تنفيذ عمليات هدم لما تبقى من المباني، وتفتيت الأنقاض وخلطها ونقلها من مناطق تخضع لسيطرته العسكرية، دون السماح لفرق الطب الشرعي أو خبراء الأدلة الجنائية بإجراء معاينات ميدانية وتوثيق المواقع قبل العبث بها.
وأكد المرصد أن هذه العمليات لا تندرج ضمن جهود إنسانية لإنقاذ المفقودين أو التمهيد لإعادة إعمار القطاع، وإنما تُنفذ بصورة أحادية ومن دون أي رقابة دولية مستقلة، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة من ضياع الأدلة المرتبطة بالانتهاكات.
وأشار إلى أن تقييمًا مشتركًا للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي قدّر، في أبريل/نيسان الماضي، حجم الركام في قطاع غزة بنحو 68 مليون طن، فيما تشير معطياته إلى إزالة وتفتيت ونقل ما لا يقل عن 10 ملايين طن من المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.
وأضاف أن نحو 400 آلية للحفر والهدم والتكسير تعمل تحت حماية جيش الاحتلال في مناطق شرق وجنوب قطاع غزة، في حين رُصدت حركة تقارب 100 شاحنة إسرائيلية يوميًا تنقل الركام إلى مواقع غير معلنة داخل إسرائيل وأخرى في جنوب الضفة الغربية المحتلة.
ولفت المرصد إلى أن سلطات الاحتلال لم تكشف عن وجهة الركام أو الكميات التي جرى نقلها أو الجهات التي تتسلمه، كما لم تسمح بأي رقابة مستقلة على عمليات الفرز والنقل، وهو ما يجعل استعادة الأدلة أو الرفات البشرية المحتملة ضمن الأنقاض أمرًا بالغ الصعوبة.
وحذر من أن إزالة الركام بهذه الطريقة قد تؤدي إلى محو معالم مواقع جرائم محتملة، بما في ذلك أماكن الإعدام الميداني، ومواقع القصف الذي استهدف عائلات بأكملها، إضافة إلى مواقع يُشتبه في احتوائها على مقابر جماعية أو جثامين مدفونة داخل المنازل والمستشفيات ومراكز الإيواء.
كما نبه إلى أن استخدام الآليات الثقيلة والكسارات دون إجراء مسح جنائي وإنساني مسبق يهدد بسحق رفات نحو 8500 مفقود يُعتقد أنهم ما زالوا تحت الأنقاض، وفق تقديرات الدفاع المدني في غزة، بما يحرم ذويهم من معرفة مصيرهم واستعادة جثامينهم ودفنها وفق الأصول.

واعتبر المرصد أن نقل الركام أو استغلاله تجاريًا دون موافقة أصحابه أو تعويضهم يمثل مصادرة غير مشروعة للممتلكات، فضلًا عن أنه يؤدي إلى محو معالم الأحياء وحدود الأراضي والبنية العمرانية، بما يعقّد جهود عودة السكان وإعادة إعمار القطاع.
من جانبه، طالب مركز “حماية” لحقوق الإنسان الأمم المتحدة والجهات الدولية المختصة بإرسال بعثة مستقلة ومحايدة إلى مدينة رفح لمراقبة وتوثيق عمليات إزالة وفرز ونقل الأنقاض، محذرًا من فقدان أدلة ومواد ذات قيمة قانونية وإثباتية مرتبطة بالانتهاكات التي شهدها القطاع.
وقال المركز، في رسالة وجهها إلى الأمين العام للأمم المتحدة وعدد من المقررين الخاصين والمنظمات الدولية، إن الدمار الواسع الذي لحق بمدينة رفح خلّف كميات ضخمة من الركام قد تحتوي على رفات بشرية، وأدلة مادية، ووثائق، ومقتنيات شخصية تعود للضحايا.
ودعا إلى تشكيل بعثة دولية متخصصة تضم خبراء في الأدلة الجنائية والطب الشرعي والهندسة وتحليل مواقع الدمار، إلى جانب مختصين في حماية الممتلكات والتراث الثقافي، لفحص الأنقاض وتوثيق محتوياتها قبل الشروع في أي عمليات إزالة أو نقل.
كما طالب بضمان عدم طحن أو نقل أي جزء من الركام قبل إخضاعه للفحص والتوثيق من قبل جهات مستقلة، وإنشاء سجل رسمي وشفاف يتضمن تفاصيل عمليات إزالة الأنقاض، بما يشمل المواقع المستهدفة وكميات المواد المنقولة والجهات المسؤولة عنها وأماكن نقلها أو تخزينها.
وشدد المركز على ضرورة اتخاذ إجراءات خاصة للبحث عن رفات الضحايا والمفقودين، وإخضاع عمليات انتشال الجثامين للفحوص الطبية والجنائية اللازمة، بما يحفظ حقوق عائلاتهم ويضمن توثيق الحالات وفق المعايير الدولية.
وأكد أن الحفاظ على الأدلة المرتبطة بالدمار والضحايا يمثل خطوة أساسية لتحقيق العدالة ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، داعيًا المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لمنع فقدان أي أدلة قد تكون ضرورية لمسارات المساءلة والإنصاف.



