فلسطين_ الوعل اليمني
في الوقت الذي يحتفي فيه العالم باليوم العالمي للإسكان تحت شعار “الإسكان الملائم للجميع”، يعيش الفلسطينيون واقعًا مختلفًا، بعدما حوّل الاحتلال الإسرائيلي مساحات واسعة من قطاع غزة إلى ركام، وواصل في الضفة الغربية بما فيها القدس هدم المساكن وتهجير العائلات والاستيلاء على الأراضي.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تضرر نحو 201,290 مبنى في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى 16 يونيو/حزيران 2026، بما يعادل نحو 82% من إجمالي مباني القطاع.
ومن بين هذه المباني، دُمّر 134,422 مبنى بشكل كامل، فيما تعرض 13,848 مبنى لأضرار شديدة، بينما بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة نحو 328,627 وحدة، في صورة تعكس اتساع حجم الدمار الذي طال المساكن والبيئة العمرانية في القطاع.
غزة.. دمار ونزوح
وجاءت هذه الأضرار في ظل نزوح متكرر وواسع النطاق فرضته العمليات العسكرية الإسرائيلية على سكان القطاع، البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة، مع تضرر المساكن والخدمات الأساسية.
كما أصبح السكان محصورين في أقل من 40% من مساحة قطاع غزة، نتيجة القيود المفروضة على الوصول إلى مناطق واسعة، الأمر الذي زاد من الاكتظاظ والضغط على المناطق التي يلجأ إليها النازحون.
ولا تتوقف أزمة السكن عند فقدان المنازل، إذ امتدت إلى البنية التحتية التي يفترض أن توفر للسكان الحد الأدنى من مقومات الحياة. وأظهرت البيانات تعرض نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في قطاع غزة للضرر أو الدمار حتى النصف الأول من عام 2026.
وفي السياق ذاته، تعاني 82% من الأسر في القطاع من انعدام الأمن المائي، فيما لا يتمكن ما يصل إلى 70% من الأسر إلا من الحصول على نحو 6 لترات من المياه يوميًا للفرد الواحد، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى الذي تقدره منظمة الصحة العالمية بنحو 15 لترًا للفرد يوميًا.
وبذلك، لم يعد فقدان المنزل هو الوجه الوحيد لأزمة السكن في غزة؛ فالدمار طال أيضًا شبكات المياه والصرف الصحي والخدمات المرتبطة بالأحياء السكنية، ما يجعل عودة العائلات إلى مناطقها مرتبطة بإعادة بناء البيئة المحيطة كاملة، وليس المنازل وحدها.
اقرا ايضاً: غزة من الفضاء.. صور الأقمار الصناعية تكشف أحياءً محيت معالمها
الضفة.. هدم وتهجير
وفي الضفة الغربية، تتخذ أزمة السكن مسارًا آخر، عبر هدم المنازل والمنشآت، وإخلاء السكان، والاستيلاء على الأراضي، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين.
ووفق بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذت سلطات الاحتلال خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 341 عملية هدم، أدت إلى هدم 740 منشأة فلسطينية، بينها مساكن مأهولة وغير مأهولة ومنشآت زراعية ومصادر رزق وغيرها.
كما أصدرت سلطات الاحتلال 254 إخطارًا بالهدم بحجة عدم الترخيص، تركزت في الخليل بواقع 102 إخطار، وبيت لحم بـ70 إخطارًا، والقدس بـ34 إخطارًا.
وتزامن ذلك مع تصاعد اعتداءات المستوطنين، التي بلغت 3,488 اعتداءً خلال النصف الأول من العام، واستهدفت التجمعات الفلسطينية وممتلكاتها وأراضيها وسبل عيشها.
وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تعرض أكثر من 4,000 فلسطيني للتهجير في الضفة الغربية منذ بداية عام 2026 وحتى سبتمبر/أيلول، نتيجة عمليات الهدم والإخلاء واعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بها.
مخيمات تحت الاستهداف
ولم تكن مخيمات شمال الضفة الغربية بعيدة عن هذا الواقع، إذ أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء حجم الأضرار التي لحقت بمباني مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس.
ففي مخيم جنين، بلغ عدد المباني المتضررة 680 مبنى، بما يمثل نحو 53% من إجمالي مباني المخيم، بينما تضرر 434 مبنى في مخيم نور شمس، أي نحو 55% من مبانيه.
وفي مخيم طولكرم، بلغ عدد المباني المتضررة 407 مبانٍ، بما يعادل نحو 37% من إجمالي المباني، وذلك حتى فبراير/شباط 2026.
وترافقت هذه الأضرار مع عمليات نزوح قسري طالت عشرات آلاف الفلسطينيين من مخيمات شمال الضفة، ما أضاف أزمة جديدة إلى واقع سكني يعاني أصلًا من الاكتظاظ وتراجع الخدمات.
أزمة تتسع
وتكشف بيانات الإحصاء الفلسطيني كذلك عن ضغوط سكنية تواجه الأسر في الضفة الغربية، إذ بلغت نسبة الأسر التي تعيش في مساكن مكتظة، بمعدل ثلاثة أفراد فأكثر للغرفة الواحدة، نحو 3.4% عام 2025.
وارتفعت النسبة في المخيمات إلى 8.9%، مقابل 3% في المناطق الحضرية و3.8% في الريف.
كما ارتفعت نسبة الأسر المقيمة في مساكن مصنفة ضمن “أخرى” من 0.4% عام 2024 إلى 1.6% عام 2025، بينما بلغت النسبة في المخيمات 20.1%، مع بروز الارتفاع بصورة خاصة في محافظتي طولكرم وجنين.
ويعكس ذلك تغيرًا في الظروف السكنية للأسر، خصوصًا في المناطق التي تعرضت للهدم والتهجير، حيث لم يعد المسكن الآمن والمستقر متاحًا لكثير من العائلات بالشكل المعتاد.
إعادة بناء مؤجلة
وفي ظل حجم الدمار في غزة والتحديات التي تواجه قطاع البناء في الضفة الغربية، تعكس بيانات رخص الأبنية محدودية النشاط العمراني المرخص.
فقد انخفض عدد رخص الأبنية الصادرة في فلسطين خلال الربع الثاني من عام 2026 بنسبة 1% مقارنة بالربع الأول، ليبلغ 1,814 رخصة، بينها 1,199 رخصة لأبنية جديدة.
وبلغ عدد الوحدات السكنية المرخصة 4,105 وحدات، بينها 3,554 وحدة جديدة، رغم ارتفاع عدد الوحدات السكنية الجديدة المرخصة بنسبة 20% مقارنة بالربع الثاني من عام 2025.
وتشير هذه الأرقام، في مجملها، إلى أن أزمة السكن الفلسطينية لم تعد مسألة مرتبطة بتوفير جدران وسقف لعائلة فقدت منزلها، بل أصبحت مرتبطة بحق الفلسطينيين في البقاء والوصول إلى المياه والخدمات ومصادر الرزق، والحفاظ على وجودهم في أراضيهم.
ففي غزة، دُمرت أو تضررت غالبية المباني، ونزحت العائلات مرارًا تحت وطأة الحرب، بينما في الضفة الغربية والقدس يتواصل هدم المساكن والإخلاء والتهجير والاستيلاء على الأراضي.
وهكذا، يأتي اليوم العالمي للإسكان بينما يواجه الفلسطينيون واقعًا تحولت فيه أزمة المسكن إلى جزء من أزمة أوسع تمس حقهم في الأمان والاستقرار والبقاء على أرضهم.



