تقارير

الركود الاقتصادي.. ما هو ومتى يحدث وكيف تتعافى منه الدول؟

الركود الاقتصادي يعتبر ظاهرة متكررة وجزءا طبيعيا من الدورة الاقتصادية (غيتي)
الركود الاقتصادي يعتبر ظاهرة متكررة وجزءا طبيعيا من الدورة الاقتصادية (غيتي)

حمزة غضبان

هو تراجع ملحوظ في النشاط الاقتصادي يمتد تأثيره ليشمل قطاعات الاقتصاد كافة، ويستمرّ عدة أشهر. ويظهر هذا التراجع بشكل رئيسي في مستويات الدخل الحقيقي، وانخفاض الإنتاج الصناعي، وتراجع المبيعات، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة وضعف مستويات الاستهلاك والاستثمار.

وبالرغم من أن الركود الاقتصادي لا يعدّ أمرا مرغوبا به، فإنه ظاهرة متكررة وجزء طبيعي من الدورة الاقتصادية. فالاقتصادات تتناوب بين فترات توسع وانكماش، إذ يبدأ الركود بعد أن يبلغ النشاط الاقتصادي ذروته، وينتهي عندما يصل إلى القاع، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من التعافي والنمو.

عتبة الركود
يعتمد تشخيص الركود على متابعة مؤشرات اقتصادية كمية مثل تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، ومعدلات التوظيف، والإنتاج الصناعي، ومبيعات التجزئة. وفي كثير من الأحيان، تستخدم وسائل الإعلام قاعدة تراجع الناتج المحلي لربعين متتاليين (أي فترة ستة أشهر) كتعريف عملي مبسط.

غير أن الخبراء يرفضون الاعتماد حصرا على هذه القاعدة، إذ يتطلب تشخيص الركود عملية تقييم شاملة لعمق التراجع الاقتصادي، ومدى انتشاره عبر قطاعات الاقتصاد، ومدة استمراره، معتمدين في ذلك على مؤشرات شهرية متعددة لتحديد بداية التراجع ونهايته بدقة تفوق الاعتماد على البيانات ربع السنوية وحدها.

في هذا السياق، يجب التمييز بين الركود ومفاهيم اقتصادية قريبة:

  • الكساد: يمثل تراجعا أشد قسوة وأعمق أثرا من الركود العادي، ويقترن في العادة بانكماش يتجاوز 10 بالمئة في الناتج المحلي ويمتد لسنوات، كما حدث في الكساد الكبير في الولايات المتحدة في العشرينيات.
  • الركود التضخمي: حالة اقتصادية معقدة يتزامن فيها تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع البطالة مع تصاعد ملحوظ في مستويات الأسعار، وهو ما يناقض الحالة المعتادة التي تتراجع فيها الأسعار أو يستقر التضخم أثناء فترات الركود.
  • الانكماش السعري: يشير إلى انخفاض عام ومستمر في مستوى الأسعار في الاقتصاد، وهو عكس التضخم. وهو يشير تحديدا إلى حركة الأسعار نحو الأسفل وليس مجرد تراجع النشاط الاقتصادي، رغم أنه قد يترافق مع فترات الركود أو الكساد.

صدمات الطلب والأزمات المالية من أسباب الركود الاقتصادي (أدوبي ستوك)

أسباب الركود وأنواعه

تتعدد أسباب الركود الاقتصادي وتتداخل فيما بينها، ويمكن تصنيفها بشكل رئيسي إلى:

صدمات الطلب والأزمات المالية
تحدث صدمات الطلب عندما يتراجع إنفاق الأسر واستثمارات الشركات بشكل مفاجئ. يؤدي هذا التراجع إلى انخفاض المبيعات، مما يدفع الشركات إلى تقليص الإنتاج وتسريح العمال، وهو ما يقلص الدخل المتاح للأفراد ويزيد من تراجع الاستهلاك في حلقة مفرغة. وتعد الأزمات المالية والمصرفية من أشد العوامل أثرا في إحداث صدمات الطلب.

تشير الدراسات التاريخية إلى أن فترات الركود المرتبطة بأزمات مالية تكون أعمق وأطول زمنا من غيرها. وبسبب شح الائتمان، تعجز الشركات عن تمويل عملياتها، وتضطر الأسر والشركات إلى تقليص إنفاقها لسداد ديونها، مما يعمق الركود ويؤخر مسار التعافي لسنوات.

صدمات العرض والعدوى العالمية
تنتج صدمات العرض عن اضطرابات مفاجئة تعوق القدرة الإنتاجية للاقتصاد، مثل الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة أو تعطل سلاسل الإمداد العالمية. تؤدي هذه الصدمات إلى رفع تكاليف الإنتاج بشكل كبير، مما يجبر الشركات على تقليص إنتاجها وتقليل التوظيف.

وفي بعض الحالات، تتسبب صدمات العرض في ظهور حالة الركود التضخمي، حيث يتزامن انكماش النشاط الاقتصادي مع ارتفاع ملحوظ في مستويات الأسعار، مما يفرض تحديات معقدة على صانعي السياسات الاقتصادية. وفي ظل العولمة، لا تبقى هذه الصدمات حبيسة الحدود الجغرافية؛ إذ تنتقل الأزمات وتتحول إلى ركود عالمي متزامن عبر قنوات التجارة الدولية، وتدفقات رؤوس الأموال، والروابط المالية المتشابكة.

الاقتصادات التي تعتمد بشكل مفرط على قطاع واحد تكون أكثر عرضة للتقلبات الحادة (رويترز)

عوامل هيكلية ومؤسسية
للعوامل الهيكلية والمؤسسية أيضا دور مفصلي في تحديد مدى تعرض الاقتصاد للركود وسرعة التعافي منه. فالاقتصادات التي تعتمد بشكل مفرط على قطاع واحد، مثل تصدير النفط أو السياحة أو العقارات مثلا، تكون أكثر هشاشة وعرضة للتقلبات الحادة عند تعرض هذا القطاع لأي صدمة خارجية. كما تسهم العوامل المؤسسية، مثل ضعف جودة المؤسسات، وعدم الاستقرار السياسي، والفساد، في إطالة أمد الأزمات الاقتصادية وتعميق آثارها، حيث تعوق هذه العوامل قدرة الدولة على تنفيذ سياسات فعالة وتضعف ثقة المستثمرين.

الركود الدوري مقابل الهيكلي
الركود الدوري هو تراجع قصير الأجل ضمن الدورة الاقتصادية المعتادة، في حين يرتبط الركود الهيكلي باختلالات عميقة في بنية الاقتصاد.

آثار الركود الاقتصادي
يترك الركود، على المدى القصير، بصمات واضحة على المؤشرات الكلية للاقتصاد، إذ يتراجع الناتج المحلي الإجمالي، وينهار الاستثمار الخاص، وتتقلص التجارة الخارجية مع هبوط حاد في حركة الصادرات والواردات. كما تتدهور الحالة المالية العامة نتيجة تراجع الإيرادات الضريبية وزيادة الإنفاق الحكومي على شبكات الأمان، مما يؤدي إلى تفاقم العجز المالي والديون.

وتختلف وطأة الركود كذلك باختلاف حجم الشركات. فالشركات الصغيرة والمتوسطة تكون أكثر عرضة للإفلاس بسبب محدودية مواردها واعتمادها الكبير على التمويل المصرفي الذي يشح بشدة خلال الأزمات، بينما تمتلك الشركات الكبرى قدرة أكبر على الصمود لتوفرها على احتياطيات نقدية وقدرة أوسع على الوصول إلى أسواق المال والتمويل البديل.


وحتى بعد عودة النمو، يخلّف الركود ما يعرف بالندوب الاقتصادية، التي تشير إلى عدم قدرة الاقتصاد على العودة إلى مستويات النمو نفسها التي كان عليها قبل حدوث الركود. يرتبط ذلك أيضا بما يُعرف بالتباطؤ المستمر، حيث يفقد العمال العاطلون مهاراتهم وييأسون من البحث عن عمل وينسحبون من القوى العاملة.

انهيار سوق الأسهم في الولايات المتحدة عام 1929 تحول إلى أزمة عالمية بسبب فشل سياسات البنوك المركزية (رويترز)

أما اجتماعيا، ترتفع معدلات البطالة بشكل ملحوظ وتتراجع الأجور الحقيقية للعمال. وتكون الفئات الأقل تعليما والعمالة الشابة والأقليات هي الفئات الأكثر تضررا. ينعكس ذلك بوضوح على توزيع الدخل، حيث تتسع فجوة عدم المساواة وترتفع معدلات الفقر، إذ تفقد الأسر ذات الدخل المنخفض نسبة أكبر من ثرواتها مقارنة بغيرها.

يرتبط بذلك أيضا ظاهرة تُعرف بالجيل الضائع، التي تشير إلى فئة الشباب الذين يدخلون سوق العمل خلال الركود، حيث يواجهون صعوبات جمة في التوظيف، مما يعرضهم لخسائر دائمة في الأجور وتعثرا في مسارهم المهني يمتد لسنوات طويلة.

وعندما تدفع القيود المالية وتراجع الإيرادات العديد من الحكومات إلى تبني سياسات تقشفية، مما يؤدي إلى خفض الإنفاق العام على قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، تتدهور جودة الحياة وتزداد معدلات البؤس. ويُترجم ذلك إلى تراجع في ثقة المواطنين في الحكومات والمؤسسات، مما يؤدي في العادة إلى تصاعد ملحوظ في حركات الاحتجاج والاضطرابات السياسية التي تعبر عن السخط الشعبي تجاه تردي الأوضاع.

كيف تخرج الدول من الركود؟
الحلول المالية والنقدية

تقوم على تحفيز الطلب الكلي عبر التدخل المباشر في الاقتصاد لسد الفجوة التي يخلفها تراجع القطاع الخاص. فزيادة الإنفاق العام تؤدي إلى خلق طلب مباشر على السلع والخدمات وتوفير فرص عمل، في حين يؤدي خفض الضرائب إلى زيادة الدخل المتاح للأفراد والشركات. ومن جهة أخرى، تتدخل البنوك المركزية عبر السياسة النقدية من خلال خفض أسعار الفائدة لتقليل تكلفة الاقتراض.

إلا أن هذه الحلول قد لا تُجدي عندما تكون أسباب الركود بنيوية أو سياسية عميقة. ففي الاقتصادات التي تعاني من مستويات دين عام مرتفعة، تضيق مساحة التدخل المالي، وتؤدي زيادة الإنفاق إلى رفع تكلفة الاقتراض السيادي بدل تحفيز النمو. كما أن ضعف المؤسسات، وتفشي الفساد، وعدم الاستقرار السياسي، والاعتماد المفرط على قطاعات غير منتجة، هي عوامل تعوق انتقال أثر التحفيز المالي والنقدي إلى الاقتصاد الحقيقي، مما يبدد الموارد ويطيل أمد الركود.

الإصلاحات الهيكلية وشبكات الأمان الاجتماعي
للخروج من دائرة الركود المتكرر، تتجه الدول نحو تبني إصلاحات هيكلية تستهدف معالجة الاختلالات العميقة. تشمل هذه الإصلاحات تنويع الاقتصاد لتقليل الارتهان لقطاع واحد أو للتقلبات الخارجية، وإصلاح سوق العمل لزيادة مرونته وقدرته على استيعاب الصدمات، وتحسين بيئة الأعمال عبر تقليص البيروقراطية. كما يعد تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد من أهم الإصلاحات التي ترفع من كفاءة المؤسسات وتعيد بناء ثقة المستثمرين.

وخلال فترات الانتقال الاقتصادي أو الركود، تؤدي شبكات الأمان الاجتماعي دورا حاسما في حماية الفئات الأضعف من تداعيات الأزمة. وتتضمن هذه الشبكات توفير إعانات البطالة، وتقديم التحويلات النقدية الموجهة للأسر الفقيرة، وتوفير الدعم للسلع الأساسية. تسهم هذه الآليات في الحد من الانهيار الحاد في مستويات معيشة الأفراد، وتمنع تفاقم معدلات الفقر، وتحافظ على حد أدنى من الطلب الاستهلاكي الذي يدعم الاقتصاد.

ماذا نقصد بالتعافي من الركود؟
لا يقتصر التعافي الاقتصادي الفعلي على مجرد توقف تراجع الناتج المحلي أو بلوغ القاع، بل يتطلب ظهور مؤشرات إيجابية مستدامة. من أبرز هذه المؤشرات تحقيق نمو مستمر في الناتج المحلي الإجمالي يمتد لعدة أرباع متتالية بحيث يتجاوز الاقتصاد مستويات ما قبل الأزمة. كما يظهر التعافي الحقيقي من خلال تراجع ملموس في معدلات البطالة وخلق فرص عمل جديدة، وانتعاش ملحوظ في الاستثمار الخاص، وعودة الثقة إلى المستهلكين وأسواق المال.

تراجع معدلات البطالة من مؤشرات التعافي من الركود الاقتصادي (غيتي)

نماذج شهدها العالم
الركود يتحول إلى كساد مدمّر: الولايات المتحدة (1929)
أدى انهيار سوق الأسهم في الولايات المتحدة إلى خلق حالة حادة من عدم اليقين دفعت المستهلكين والشركات إلى تقليص الإنفاق بشكل مفاجئ. وتحول هذا الانهيار المالي إلى أزمة عالمية عميقة وطويلة الأمد بسبب فشل سياسات البنوك المركزية، ولا سيما الاحتياطي الفيدرالي، في توفير السيولة وتجنب انهيار النظام المصرفي، إلى جانب انتقال العدوى إلى الدول الأخرى عبر نظام معيار الذهب.

تراجع الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة بنحو 30 بالمئة، وارتفعت البطالة لتلامس 25 بالمئة بحلول عام 1933، مع انكماش حاد في مستويات الأسعار. استدعى كل ذلك تدخلات حكومية غير مسبوقة لتوفير شبكات أمان.

النجاة بثمن باهظ: اليونان وأزمة ديون اليورو (2008-2016)
قادت عدة عوامل اليونان نحو أزمة ديون سيادية وركود حاد، أبرزها تراكم العجز المالي والاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي بأسعار فائدة منخفضة بعد الانضمام إلى منطقة اليورو. ومع اندلاع الأزمة المالية العالمية، فقدت اليونان ثقة الأسواق وعجزت عن تمويل ديونها. وشملت عناصر الاستجابة حزم إنقاذ مالية ضخمة من المؤسسات الأوروبية وصندوق النقد الدولي، واقترنت ببرامج تقشف قاسية وإصلاحات هيكلية استهدفت خفض الإنفاق العام، وزيادة الضرائب، وتقليص الأجور فيما عرف بعملية التخفيض الداخلي للقيمة.

وقد تمكنت اليونان من الخروج من حالة الركود وتحقيق معدلات نمو تفوق المتوسط الأوروبي، مع انخفاض ملحوظ في نسبة الدين العام وعودة تدفقات الاستثمار. غير أن هذا التعافي جاء بثمن اجتماعي باهظ؛ فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 25 بالمئة خلال سنوات الأزمة، وبلغت معدلات البطالة نحو 25.5 بالمئة في عام 2015، وارتفعت معدلات الفقر وتراجعت جودة الخدمات، مما أدى إلى هجرة الكفاءات الشابة وتعميق الندوب الاقتصادية التي استمرت آثارها رغم التعافي الرسمي.

الاضطرابات السياسية والأمنية في تونس عقب الربيع العربي انعكست بشكل كبير على الاقتصاد التونسي (الأناضول)

ركود بنيوي في سياق عربي: تونس ما بعد الربيع العربي (2011)
أثرت الاضطرابات السياسية والأمنية التي رافقت مرحلة الانتقال بعد عام 2011 (عقب الربيع العربي) بشكل عميق على الاقتصاد التونسي، حيث تراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتباطأ قطاع السياحة الحيوي. وأدى هذا الوضع إلى تراجع معدلات النمو لتصبح غير قادرة على استيعاب القوى العاملة، مما رفع مستويات البطالة الكلية لتبلغ نحو 19 بالمئة بنهاية عام 2011، قبل أن تستقر حول 16 بالمئة خلال عامي 2012 و2013، في حين تجاوزت البطالة بين الشباب حاجز 42 بالمئة في عام 2011، وذلك بالتزامن مع ارتفاع مطرد في مستويات الدين العام والعجز المالي.

وسجل الناتج المحلي الإجمالي نسبة نمو لا تتجاوز 1 بالمئة في الأشهر التسعة الأولى من عام 2024. وتمتد هذه الندوب لتشمل عبء الدين العام الذي تفاقم ليبلغ 80 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023، مما يحد من الحيز المالي المتاح للحكومة. وللتعامل مع هذه التحديات، تعتمد الدولة بشكل متزايد على النفقات العامة المتكررة لتلبية الاحتياجات الفورية للمواطنين، وسط تحديات مستمرة في تأمين الاحتياجات التمويلية الخارجية.

المصدر: الجزيرة