تتسارع الجهود في جنوب ولاية كاليفورنيا الأمريكية من قِبل فرق المواد الخطرة “Hazmat” وخبراء البيئة، للسيطرة على وضع يوصف بالحرج للغاية في مقاطعة “أورنج كاونتي”، وذلك إثر تعرض خزان صناعي ضخم لتسرب مادة كيميائية شديدة الخطورة والاشتعال والتطاير.
الحادثة التي بدأت فصولها بالظهور منذ بعد ظهر يوم الخميس وتفاقمت بحلول يوم الجمعة، وقعت في منشأة تابعة لشركة “GKN Aerospace” المتخصصة في تصنيع أجزاء وهياكل الطائرات التجارية والعسكرية بمدينة “غاردن غروف”، والتي تبعد نحو 61 كيلومتراً جنوب وسط مدينة لوس أنجليس، ولا يفصلها سوى مسافة قصيرة جداً عن منتجع ديزني لاند الشهير الذي لم تشمله حتى الآن أوامر الإخلاء.
الخزان الذي يمر بأزمة تشغيلية حادة يحتوي على كمية ضخمة تتراوح بين 22,700 و26,500 لتر (نحو 6,000 إلى 7,000 غالون) من مادة “ميثيل ميثاكريلات” (Methyl Methacrylate)، وهي مركب كيميائي سائل متطاير للغاية يُستخدم أساساً في صناعة الراتنجات والبلاستيك والقطع المخصصة لصناعة الطيران.
ووفقاً للتقارير الفنية، فإن المشكلة الأساسية نشأت نتيجة تعرض هذا الخزان لارتفاع مفرط ومفاجئ في درجات الحرارة والضغط الداخلي، مما تسبب في حدوث تفاعل كيميائي ذاتي التسخين يُعرف علمياً باسم “التفاعل الجامح” (Runaway Reaction)، الذي يُولّد حرارة مضاعفة يصعب التحكم بها في البيئات غير المستقرة، وترافق ذلك مع تلف صمام الأمان وتضرر منظومة التبريد التلقائية، ما جعل عملية احتواء الموقف أو إفراغ الشحنة بأمان أمراً في غاية التعقيد والخطورة بالنسبة لفرق الاستجابة الأولية.
أمام هذا التهديد الفوري، أصدرت السلطات المحلية والأمنية أوامر إخلاء إلزامية عاجلة وواسعة النطاق شملت في البداية محيط المنشأة، ثم توسعت لتغطي قطاعاً جغرافياً دائرياً بنصف قطر يبلغ ميلاً كاملاً، مما وضع أكثر من 44,000 مواطن تحت طائلة النزوح الإجباري. ولم تقتصر الأوامر على مدينة “غاردن غروف” فحسب، بل امتدت لتشمل أجزاء سكنية وتجارية متداخلة في خمس مدن مجاورة في المقاطعة وهي: سايبريس، ستانتون، آناهايم، بوينا بارك، ووستمنستر، كما تقرر إغلاق المدارس والمرافق العامة في النطاق المستهدف فوراً، مع فتح مراكز إيواء وملاجئ طوارئ مجهزة لاستقبال العائلات الفارة والنازحين الذين تركوا منازلهم بسرعة في ظل دوي صفارات الإنذار وهواتف الطوارئ، رغم رصد شرطة “غاردن غروف” امتناع قرابة 15% من السكان عن المغادرة في الساعات الأولى بسبب مخاوف لغوية وتواصلية في المنطقة التي تضم جالية فيتنامية كبيرة.
رئيس قسم الإطفاء وهيئة الإنقاذ في مقاطعة أورنج، كرايج كوفي، الذي يمتلك خبرة تمتد لأكثر من 32 عاماً في الخدمة، وصف هذا الحدث الميداني بأنه “الأخطر والأكثر تهديداً” في مسيرته المهنية بأكملها، مؤكداً في مؤتمرات صحفية متتابعة أن الخزان “في حالة انهيار حتمي” والسلطات تستعد عملياً لسيناريوهين لا ثالث لهما؛ الأول (وهو الخيار الأفضل تفاؤلاً) أن يتصدع الخزان كلياً ويتشقق مما يؤدي إلى انسكاب آلاف الغالونات من السوائل الكيميائية السامة على الأرض في مواقف السيارات والمساحات المحيطة، وهنا تكمن الخطة في محاصرتها بحواجز رملية لمنع وصولها للمجاري المائية الكبرى أو المحيط.
والسيناريو الثاني والأخطر هو دخول الخزان في مرحلة “الانفلات الحراري الكامل” مما يؤدي إلى انفجار ميكانيكي وكيميائي ضخم وضغط هائل يهدد بتدمير وتفجير الخزانات المجاورة التي تحوي وقوداً ومواداً صناعية أخرى، مما سيخلق كارثة ممتدة الأثر؛ الأمر الذي دفع القيادة الميدانية لوضع نقطة حرارية حرجة إذا وصل إليها المؤشر، فسيتم سحب جميع القوات البشرية فوراً وترك المنشأة لتنفجر ذاتياً بشكل آمن عن بعد.
من جانبها، أوضحت الدكتورة ريجينا شينسيو-كوونغ، المسؤول الصحي بالمقاطعة، وخبراء من جامعة جنوب كاليفورنيا، أن خطورة الأبخرة والغازات المتصاعدة حالياً من صمامات التنفيس تكمن في كونها أثقل من الهواء الطبيعي، مما يعني أنها لا تتشتت بسرعة بل تهبط وتتركز بالقرب من سطح الأرض والمناطق السكنية المنخفضة، حيث يتسبب استنشاقها بتهيج شديد ومباشر في الجهاز التنفسي، وحروق وحكة في العيون والجلد، فضلاً عن الدوار الحاد، الغثيان، والصداع، مع الإشارة إلى أن أي شرارة عابرة أو وميض حراري في المنطقة قد يشعل تلك الأبخرة متسبباً بحرائق ارتدادية.
وتعمل طائرات المسيرة (الدرونز) المزودة بكاميرات حرارية وأجهزة استشعار دقيقة على مدار الساعة لمراقبة البنية الهيكلية للخزان وتغيرات درجات الحرارة بانتظام، بينما تواصل خراطيم المياه الآلية وغير المأهولة ضخ كميات هائلة من المياه والمبردات للحفاظ على استقرار وثبات الخزان الخارجي، كخطوة استباقية منحت فرق العمل الفنية وقتاً إضافياً لمحاولة ابتكار حلول هندسية بديلة لتفريغ الشحنة وتفادي السيناريوهات الكارثية، في حين أكدت الشركة البريطانية المالكة للمنشأة عدم تسجيل أي إصابات أو وفيات حتى هذه اللحظة بين الموظفين أو طواقم الإنقاذ.



