لم يعد الحصول على المياه في قطاع غزة مهمة منزلية بسيطة، بل تحول إلى معاناة يومية تستنزف وقت الفلسطينيين وجهدهم، في ظل تدمير واسع للبنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وتراجع إمدادات مياه الشرب، واضطرار آلاف الأسر إلى الانتظار عند نقاط التوزيع أو الاعتماد على الصهاريج لتأمين احتياجاتها الأساسية.
وتكشف بيانات أممية عن اتساع الأزمة التي خلفتها حرب الإبادة الإسرائيلية، إذ تعاني 82% من الأسر في القطاع انعدام الأمن المائي، فيما لا يحصل 70% من السكان على ستة لترات من المياه للفرد يوميًا للشرب والطهي، وفق تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» نُشر في يوليو/تموز 2026.
وبحسب بيانات أممية صدرت في 2 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تعرضت 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في غزة للتدمير أو الأضرار، بينما يعتمد 74% من السكان على المياه المنقولة بالصهاريج والشاحنات، في ظل عجز الشبكات القائمة عن تلبية احتياجات السكان.
توزع الجهات العاملة في قطاع المياه نحو 24,995 مترًا مكعبًا من مياه الشرب يوميًا عبر 3,199 نقطة توزيع، بمشاركة 68 جهة، لكن هذه الإمدادات لا تكفي لإنهاء الأزمة، خصوصًا مع تراجع إنتاج محطات تحلية مياه البحر ونقص مستلزمات التشغيل والصيانة.
وتتزايد المخاوف على إمدادات المياه التي يعتمد عليها نحو 500 ألف فلسطيني في دير البلح وخانيونس، مع تراجع قدرة محطتي تحلية مياه البحر في جنوب القطاع على الإنتاج، وفق البيانات الأممية.
وكانت اليونيسف قد أفادت، في تقرير نشرته خلال مايو/أيار 2026، بانخفاض إنتاج تحلية مياه البحر من نحو 20 ألف متر مكعب إلى 16 ألف متر مكعب يوميًا، في ظل نقص قطع الغيار والمعدات اللازمة لاستمرار تشغيل المحطات.
ولا يقتصر الضرر على مياه الشرب، إذ خرجت ست محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي عن الخدمة، فيما توقف نحو 70% من محطات ضخ الصرف الصحي عن العمل، ما يزيد المخاطر الصحية والبيئية التي تهدد السكان.
ووفق البيانات الأممية، يُصرَّف أكثر من 150 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة يوميًا إلى البيئة، بما يرفع احتمالات تلوث المياه وانتشار الأمراض، خصوصًا في مناطق النزوح المكتظة التي تفتقر إلى خدمات الصرف الصحي الملائمة.
عبء يومي
في ظل تراجع الإمدادات، باتت الأسر الفلسطينية مضطرة إلى تخصيص وقت طويل لتأمين المياه، بدءًا من معرفة مواعيد وصول الصهاريج، مرورًا بالانتظار عند نقاط التوزيع، وانتهاءً بحمل العبوات ونقلها وتخزينها داخل أماكن الإقامة.
وتوثق اليونيسف في تقاريرها الميدانية معاناة أسر اضطرت إلى قطع مسافات طويلة للحصول على المياه، في حين خفف وجود خزانات قريبة من بعض أماكن النزوح جزءًا من المشقة التي تواجهها العائلات في تأمين احتياجاتها اليومية.
وتتحول المسافة بين مكان الإقامة ومصدر المياه إلى عامل مؤثر في حياة الأسرة؛ فكلما ابتعدت نقطة التوزيع، زاد الوقت والجهد اللازمان لجمع المياه، لا سيما لدى الأسر الكبيرة وكبار السن والمرضى، وفي ظل محدودية وسائل النقل وصعوبة الحركة.
كما يرتبط حصول الأسر على المياه بمواعيد التوزيع وتوافر الصهاريج وقدرة الجهات الإنسانية على مواصلة عملها. وأي تعطل في الإمدادات ينعكس مباشرة على احتياجات الشرب والطهي والنظافة، ويضطر العائلات إلى تقليص استهلاكها أو تأجيل بعض الأعمال المنزلية.
من الأكثر تضررًا؟
تضيف أزمة المياه أعباء جديدة على النساء في غزة، إذ تتطلب أعمال إعداد الطعام وغسل الأواني والملابس وتنظيف أماكن الإقامة كميات لا تتوافر دائمًا، ما يضطرهن إلى إعادة ترتيب الأولويات وفق المياه المتاحة.
وتزداد الصعوبات في الخيام ومراكز النزوح التي تفتقر إلى الخصوصية والمرافق الصحية المناسبة، فيما تصبح تلبية احتياجات النظافة الشخصية أكثر تعقيدًا لدى النساء خلال الدورة الشهرية والحمل وفترة ما بعد الولادة.
ولا تتوقف التداعيات عند الأعمال المنزلية، إذ قد تضطر بعض الأسر إلى إشراك أطفالها في جمع المياه وحمل العبوات، على حساب الوقت المخصص للتعلم واللعب والراحة، وسط مخاطر الازدحام وطول المسافات وصعوبة الوصول إلى نقاط التوزيع.
وأظهر تقييم أجرته اليونيسف خلال ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026 أن 71% من الأسر التي شملها المسح اعتمدت على نقاط توزيع المياه التي تصل إليها الشاحنات مصدرًا رئيسيًا لمياه الشرب، فيما أفادت نصف الأسر بأنها شعرت بعدم الأمان أثناء جمع المياه خلال الشهر السابق للمسح.
كما لم تحصل على كميات كافية من مياه الشرب سوى 52% من الأسر، بينما توفرت المياه الكافية للاستخدامات المنزلية لدى 46% منها، وفق التقييم ذاته.
وتعكس هذه النتائج أن الأزمة لا ترتبط فقط بكمية المياه المتاحة، بل أيضًا بمدى سهولة الوصول إليها وسلامة جمعها وتخزينها، وقدرة أفراد الأسرة على تأمينها دون تعريض أنفسهم لمخاطر إضافية.
تلوث يهدد الصحة
يفاقم تدهور شبكات الصرف الصحي ومحطات المعالجة المخاطر الناجمة عن نقص المياه، إذ يؤدي تصريف المياه العادمة دون معالجة إلى تلويث البيئة وتهديد الصحة العامة، في وقت تواجه فيه الأسر صعوبة في الحفاظ على النظافة داخل أماكن النزوح.
وحذرت اليونيسف من تداعيات نقص المياه الآمنة وتدهور خدمات الصرف الصحي، في ظل تراجع إنتاج محطات التحلية ونقص المواد والمعدات اللازمة لتشغيل المنشآت وإصلاح الأعطال.
ويزيد انخفاض كميات المياه المتاحة صعوبة تنظيف الأواني والملابس ومرافق الاستخدام اليومي، بينما يرفع اللجوء إلى مصادر غير مأمونة احتمالات التعرض للأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة، خصوصًا بين الأطفال.
ولا يمكن فصل هذه المخاطر عن الظروف المعيشية التي فرضها النزوح وتدمير المنازل وفقدان مصادر الدخل؛ إذ تجد الأسر نفسها أمام احتياجات متزايدة وإمكانات محدودة، بينما تتراجع قدرتها على توفير متطلبات الصحة والنظافة بصورة منتظمة.
بنية مدمرة وإمدادات مهددة
تتطلب استعادة إمدادات المياه في غزة إصلاح منظومة متكاملة تشمل الآبار ومحطات التحلية وشبكات النقل والتوزيع، إلى جانب توفير الوقود وقطع الغيار والمواد الكيميائية اللازمة للتشغيل والمعالجة.
وأشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في تقرير صدر في سبتمبر/أيلول 2026، إلى أن نقص زيت المحركات يهدد تشغيل المولدات التي تعتمد عليها آبار المياه ومحطات التحلية ومحطات ضخ مياه الصرف الصحي، مع استمرار انتظار الموافقة على إدخال كميات مطلوبة للعمليات الإنسانية.
وتوضح هذه المعطيات أن استمرار توفير المياه لا يعتمد على إعادة تأهيل المنشآت المتضررة فحسب، بل يتطلب أيضًا ضمان وصول مستلزمات التشغيل والصيانة، وتوفير الطاقة، وتمكين الفرق الفنية من إصلاح الأعطال ومواصلة العمل.
ورغم أهمية نقل المياه بالصهاريج في تلبية الاحتياجات العاجلة، فإن هذه الآلية لا تشكل بديلًا مستدامًا عن شبكات عامة قادرة على إيصال المياه الآمنة إلى المنازل ومراكز النزوح بصورة منتظمة.
كما أن إصلاح شبكات المياه لا يمكن أن يحقق أثره الكامل دون إعادة تشغيل محطات الصرف الصحي ومعالجة المياه العادمة، للحد من التلوث وحماية مصادر المياه والبيئة المحيطة بالسكان.
الحق في المياه
تحتاج الاستجابة الإنسانية إلى جانب توفير المياه بالشاحنات، إلى زيادة نقاط التوزيع القريبة من أماكن النزوح، وتقليل فترات الانتظار والازدحام، وتأمين خزانات وأوعية مناسبة، مع مراعاة احتياجات كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر التي تعيلها نساء.
ويظل إصلاح البنية التحتية وإدخال الوقود وقطع الغيار والمواد اللازمة للتشغيل من المتطلبات الأساسية لاستعادة إمدادات مستقرة، إلى جانب مراقبة جودة المياه وضمان سلامتها للاستخدام البشري.
ولا ينبغي قياس تحسن الأوضاع بعدد الصهاريج أو كميات المياه الموزعة وحدها، بل بقدرة الفلسطينيين على الحصول على مياه آمنة وكافية دون الانتظار لساعات أو قطع مسافات طويلة أو تقليص احتياجاتهم الأساسية.
ففي غزة، لم يعد تدمير البنية التحتية للمياه مجرد خسارة في المنشآت والخدمات، بل تحول إلى عبء يلاحق تفاصيل الحياة اليومية، من إعداد الطعام إلى النظافة ورعاية الأطفال، ويضاعف معاناة الأسر التي تحاول تأمين الحد الأدنى من متطلبات البقاء.
ومع استمرار الأضرار التي لحقت بمنظومة المياه والصرف الصحي، تبقى استعادة هذا الحق مرتبطة بإعادة تشغيل المنشآت المتضررة وضمان وصول الإمدادات بصورة منتظمة وآمنة، حتى لا يظل الحصول على الماء معركة يومية يخوضها الفلسطينيون وسط تداعيات الحرب والحصار.
المصدر: وكالات.



