مقالات

بين الأصالة والتبعية: كيف حولت الحوثية القبيلي إلى ”زنبيل”؟

عبد الخالق محمد منصور

يدور هذا السؤال في أذهان الكثيرين اليوم، وهم يرقبون بواقعية وحسرة تحولات المجتمع اليمني في السنوات الأخيرة، ينظر الناس إلى شريحة واسعة من أولئك الذين كانوا إلى وقت قريب يتغنون بالقبيلة، ويستعرضون أمجادها، ويصل بهم الأمر حد التعصب القومي والقبلي المقيت، كان أحدهم مستعداً لتقديم نفسه فداءً للقبيلة ورموزها، يستشيط غضباً لأي ضرر يمسها من قبيلة أخرى، ويتعصب للعرف السائد و”الأسلاف والأعراف” مهما كانت مجحفة، ينصر أخاه ظالماً أو مظلوماً بحمية الجاهلية وتلاحم الدم.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت ميلاد تعصبات ممسوخة من نوع آخر؛ تعصبات لا تنتصر لقبيلة، ولا تلتزم بمذهب، ولا تسعى لخدمة دين، بل تمحورت كلياً حول إظهار الولاء المطلق والطاعة الأعمى. وهذا تماماً ما أحدثته الجماعة الحوثية في اليمن، وما جنته على بساطة وأصالة أبناء القبائل الذين أُطلق عليهم مصطلح “المتحوثين”، فبدلاً من التعصب للقبيلة وللعرف القبلي الذي يحكمه السلف والنخوة والشرف، تحول التعصب إلى مسار واحد: الولاء المطلق للسلالة وللجماعة المسلحة.

هذا الولاء الأعمى لم يكتفِ بتغيير القناعات السياسية للرجل القبلي، بل جرد الإنسان المتحوث من إنسانيته وشخصيته المستقلة، وحوله من شيخ أو قبَلي له وزنه ورأيه إلى أداة سلبية مسلوبة الإرادة، تابعٍ يجري وراء السراب، ويقاتل في معارك لا تمت لكرامته ولا لأرضه بصلة. هذا هو التحول الدراماتيكي الذي طرأ على المتحوثين، سواء كانوا من عامة الناس أو من وجهاء القبائل وأبنائها وهم كثر؛ إذ تحول القبيلي الحر، بفعل الضخ العقائدي والتجييش النفسي، إلى مجرد “زنبيل” في أدبيات السلالة وطبقاتها المفهومة والممارسة على الأرض.

لكي نفهم حجم المأساة التي وصل إليها القبيلي المتحوث، لا بد من تفكيك المصطلح الذي فرضه الواقع السياسي والاجتماعي، الزنبيل في اللهجة اليمنية الدارجة هو الوعاء المجوف المصنوع من خوص النخل، يُستخدم لحمل البضائع والأشياء العادية، وفي المقابل، تضع الأدبيات السلالية في أعلاها القنديل، وهو رمز الضياء والمكانة الرفيعة والنسب الشريف وفق زعمهم.

في هذا التقسيم الطبقي الفاقع، لا يُنظر للقبَلي المتحوث مهما قدم من تضحيات، ومهما سفك من الدماء في سبيل المشروع الحوثي إلا باعتباره زنبيلاً؛ أي مجرد وعاء مُستهلَك، ومادة حطب للمعارك، ووقود للمحارق السياسية والعسكرية. لقد أدرك الحوثيون بذكاء خبيث نقاط ضعف القبيلة اليمنية، واستغلوا حالة الفراغ السياسي والضعف التنموي والجهل الشديد، فاستبدلوا حمية الجاهلية القبلية بحمية عقائدية مضللة.

لقد جُرِّد القبيلي المتحوث من قيم النخوة القبلية الأصيلة التي كانت تمنعه من الغدر، وتمنعه من اقتحام البيوت، وترفعه عن الممارسات الدنيئة ضد الضعفاء والأطفال والنساء. صار الزنبيل يأتمر بأمر المشرف الحوثي الذي قد يكون أصغر منه سناً وأقل منه شأناً في الأعراف القبلية – فينفذ أوامره بطاعة عمياء، ويمارس ضد أبناء جلدته وإخوانه في القبيلة أشد أنواع البطش والتنكيل، ظناً منه أنه يخدم قضية مقدسة، بينما هو في الحقيقة يرسخ عبوديته وهوانه.

كانت القبيلة اليمنية عبر التاريخ، رغم ما يعاب عليها من تعصب أحياناً، تمثل صمام أمان اجتماعي، وتملك منظومة أعراف وقوانين غير مكتوبة تحمي الديار وتصون الحرمات وتُقيل العثرات. كان للقبيلي كلمة، وللشيخ مهابة، وللعرف القبالي احترام لا يتجرأ أحد على اختراقه.