أخبار المنطقة

لماذا حذّر بن غوريون من احتلال غزة وضمها قبل 70 عامًا؟ 

وثائق إسرائيلية تكشف تحذيرات بن غوريون من احتلال غزة

كشفت وثائق تاريخية أفرج عنها أرشيف جيش الاحتلال الإسرائيلي، بمناسبة مرور 70 عامًا على حرب سيناء عام 1956، عن تحذيرات أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق دافيد بن غوريون من تداعيات استمرار السيطرة على قطاع غزة، معتبرًا أنها قد تتحول إلى عبء أمني وسياسي وأخلاقي على إسرائيل، وتعرّضها للعزلة الدولية وتهدد قدرتها على الحصول على الأسلحة في أي مواجهة مستقبلية.

وتكشف المحاضر، التي تتناول نقاشات جرت داخل القيادة الإسرائيلية عقب احتلال قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء عام 1956، حجم المخاوف التي أثارها وجود مئات آلاف الفلسطينيين في القطاع، وبينهم عشرات الآلاف من اللاجئين الذين هجّرتهم النكبة عام 1948 من مدنهم وقراهم، وفقدوا منازلهم وأراضيهم.

وبحسب الوثائق التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، الأحد، عارض بن غوريون ضم القطاع، محذرًا من أن السيطرة عليه ستضع إسرائيل أمام مسؤولية إدارة شؤون سكانه ومواجهة رفضهم للاحتلال، فضلًا عن التبعات السياسية والإنسانية المترتبة على استمرار وجود قواتها فيه.

وكان بن غوريون قد عبّر عن موقفه من القطاع خلال اجتماع للحكومة في 28 تشرين الأول/أكتوبر 1956، عشية العدوان الثلاثي على مصر، قائلًا: “لو كنت أؤمن بالمعجزات، لتمنيت أن يبتلع البحر غزة”، في تصريح يعكس نظرة القيادة الإسرائيلية إلى القطاع بوصفه عبئًا يصعب التخلص من تبعاته السياسية والأمنية.

عبء الاحتلال

وفي محضر نقاش مع كبار ضباط الجيش الإسرائيلي في نيسان/أبريل 1957، عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة وسيناء، حذّر بن غوريون من أن استمرار السيطرة على القطاع لن يضمن إخضاع سكانه أو إنهاء المقاومة، مشيرًا إلى أن إدارة غزة ستظل مشكلة بصرف النظر عن الجهة التي تتولاها، سواء كانت إسرائيلية أو دولية أو مصرية.

ووفق ما أوردته الوثائق، قدّر عدد سكان القطاع آنذاك بنحو 300 ألف فلسطيني، بينهم ما بين 180 و190 ألف لاجئ، في إشارة إلى حجم التغير الديمغرافي الذي أحدثته النكبة في غزة، بعدما تحولت إلى ملاذ لمئات آلاف الفلسطينيين الذين اقتُلعوا من مناطقهم عام 1948.

وعارض بن غوريون إضافة هؤلاء السكان إلى إسرائيل، محذرًا من أن السيطرة على القطاع ستفرض عليها أعباء تتجاوز احتياجاتها وقدراتها، خصوصًا في ظل استمرار الرفض الفلسطيني للاحتلال وما قد يترتب عليه من مواجهات عسكرية وعمليات لقمع المقاومة.

ولم ينظر بن غوريون إلى المسألة باعتبارها تحديًا عسكريًا فحسب، بل ربط استمرار الاحتلال بما وصفه بفقدان إسرائيل مكانتها الأخلاقية أمام العالم، محذرًا من أن ذلك قد يقود إلى تآكل شرعيتها وعزلتها دوليًا.

ونقلت المحاضر عنه تحذيره من أن بقاء القوات الإسرائيلية في غزة، في ظل الرفض الدولي والحاجة إلى قمع المقاومة، قد يؤدي إلى “دمار أخلاقي”، معتبرًا أن هذا المسار لا يتناسب مع قدرات إسرائيل واحتياجاتها الحيوية.

عزلة دولية

وامتدت مخاوف بن غوريون إلى احتمال أن تؤدي السيطرة على القطاع إلى تراجع الدعم الدولي لإسرائيل، بما ينعكس على قدرتها في الحصول على الأسلحة والمعدات العسكرية اللازمة لأي مواجهة مقبلة.

وحذّر من أن التفوق العسكري لا يكفي لضمان استمرار إسرائيل في الحروب، إذا فقدت الدعم الخارجي، مشيرًا إلى أن العزلة الدولية قد تحرمها من مصادر التسليح التي تحتاج إليها، حتى في حال امتلاكها القدرة على هزيمة الجيوش العربية.

كما رفض اعتبار الانتصار العسكري في حرب سيناء مؤشرًا على طبيعة المواجهات المقبلة، محذرًا من انتقال المعارك إلى العمق الإسرائيلي واستهداف مدن رئيسية، بينها تل أبيب وحيفا، وسقوط قتلى من المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال.

وتعكس هذه التحذيرات إدراكًا لدى القيادة الإسرائيلية آنذاك بأن السيطرة العسكرية على الأراضي الفلسطينية لا تعني بالضرورة القدرة على فرض واقع مستقر فيها، وأن استمرار الاحتلال قد يفتح جبهات من المواجهة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.

تحذيرات بيريز

وشملت الوثائق المنشورة رواية بخط اليد لشيمون بيريز، الذي كان يشغل منصب المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية آنذاك، تناول فيها صعوبات حصول إسرائيل على الأسلحة خلال سنواتها الأولى، والصفقات التي لجأت إليها لتأمين احتياجاتها العسكرية.

وأشار بيريز إلى اعتماد إسرائيل على مصادر متعددة للتسلح، بينها تشيكوسلوفاكيا، إلى جانب صفقات مع فرنسا وإيطاليا وسويسرا وبريطانيا، موضحًا أن تأمين الأسلحة تطلب ترتيبات غير معلنة وأثمانًا باهظة.

كما تناولت ملاحظاته العلاقة بين الانتصارات العسكرية واستمرار الصراع العربي الإسرائيلي، مشيرة إلى أن الانتصار في معركة لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب، وأن موازين المواجهة قد تتغير في الحروب اللاحقة.

انسحاب تحت الضغط

وجاءت هذه النقاشات في أعقاب حرب سيناء عام 1956، التي بدأت في 29 تشرين الأول/أكتوبر، عندما شنّت إسرائيل هجومًا عسكريًا على مصر، بالتزامن مع العدوان البريطاني والفرنسي، وتمكنت القوات الإسرائيلية خلال أيام من السيطرة على مناطق واسعة في شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة.

لكن الاحتلال الإسرائيلي للقطاع لم يستمر طويلًا، إذ دفعت الضغوط الدولية، ولا سيما الأميركية، إسرائيل إلى سحب قواتها من الأراضي التي احتلتها خلال الأشهر التالية، ليكتمل الانسحاب عام 1957.

وتسلط الوثائق الضوء على جانب من الحسابات الإسرائيلية التي رافقت احتلال غزة قبل سبعة عقود، وتكشف أن التحذيرات من تبعات السيطرة على القطاع، ومن كلفة مواجهة سكانه والضغوط الدولية، كانت حاضرة في نقاشات القيادة الإسرائيلية منذ ذلك الوقت.

كما تعيد طرح حقيقة أن غزة لم تكن يومًا مجرد مساحة جغرافية في الحسابات العسكرية الإسرائيلية، بل أرضًا يسكنها شعب فلسطيني متمسك بحقوقه، وأن السيطرة العسكرية عليها لم تكن كافية لإنهاء الصراع أو فرض الاستقرار الذي سعت إليه إسرائيل.

المصدر: وكالات.