تقارير

أكثر من 11 ألف أسرة.. النزوح يتسع مع تصعيد الحوثيين في اليمن

تقرير خاص

أعاد التصعيد العسكري الذي شنته مليشيات الحوثي في عدد من الجبهات اليمنية منذ الثالث من سبتمبر الجاري، ملف النزوح إلى واجهة الأزمة الإنسانية، بعدما أجبرت المواجهات والقصف آلاف الأسر على مغادرة منازلها ومناطقها بحثًا عن أماكن أكثر أمنًا، في وقت تتسع فيه الاحتياجات الإنسانية للمناطق المستقبلة للنازحين.

وقال المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ يوم أمس الخميس، إن الجهات الإنسانية أبلغت عن نزوح أكثر من 11,400 أسرة في أنحاء اليمن منذ الثالث من سبتمبر، في موجة جديدة من النزوح المرتبط بالتصعيد الذي قامت به مليشيات الحوثي.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد المواجهات في مناطق مختلفة، خصوصًا في تعز والحديدة، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار العمليات العسكرية إلى دفع مزيد من الأسر إلى ترك منازلها ومصادر رزقها، في بلد يعاني أصلًا من واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

نزوح يتجاوز الجبهات

لم يعد أثر التصعيد محصورًا في مواقع القتال، إذ امتد إلى القرى والمناطق السكنية المحيطة بها، ودفع السكان إلى النزوح بصورة مفاجئة، تاركين وراءهم منازلهم وممتلكاتهم ومصادر دخلهم.

وكشفت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن في تقرير لها نزلته يوم الأربعاء عن ارتفاع حصيلة النزوح القسري الناجم عن التصعيد العسكري والقصف وتدهور الأوضاع الأمنية إلى 6,269 أسرة، تضم 44,149 فردًا، في خمس محافظات هي تعز والحديدة ولحج وعدن وأبين، حتى الثامن من سبتمبر الجاري.

وأكد التقرير الإنساني الموحد الصادر عن الوحدة أن استمرار الأعمال العسكرية والقصف المكثف من مليشيات الحوثي أجبر آلاف الأسر على الفرار المفاجئ وترك منازلها وممتلكاتها وسبل عيشها بحثًا عن الأمان، في وقت وصلت فيه الأسر النازحة إلى مناطق الاستضافة وهي تفتقر إلى أبسط المقومات الأساسية من الغذاء والمأوى والمياه الصحية.

ويختلف هذا الرقم عن الرقم الذي أورده المبعوث الأممي، باعتبار أن تقرير الوحدة التنفيذية يتعلق بخمس محافظات وبفترة رصد محددة، بينما يشير الرقم الأممي إلى أكثر من 11,400 أسرة نازحة في أنحاء اليمن منذ الثالث من سبتمبر.

وتبرز محافظة تعز بصورة خاصة في موجة النزوح الجديدة، مع امتداد التصعيد إلى مناطق ريفية وغربية شهدت خلال السنوات الماضية جولات طويلة من المواجهات.

تعز تدفع الثمن

في غرب تعز، دفعت المواجهات المتصاعدة عشرات الأسر إلى مغادرة قرى غيل بني عمر والمناطق المتاخمة لمديرية الوازعية، مع اقتراب المعارك من مناطق مأهولة بالسكان.

ووفق ما أورده الصحفي طالب المعمري كاحد أبناء تعز الذي شهد نزوح الأسر، اضطرت أسر من تلك القرى إلى النزوح باتجاه مديرية الشمايتين، وتحديدًا مناطق المديحيس وشعب الدراهم والصافية، هربًا من القصف الحوثي واحتدام المواجهات في جبهة الكدحة.

ويصف المعمري المشهد بأنه نزوح لم يكن خيارًا أمام السكان، إذ غادرت عائلات منازلها في ظروف متسارعة، فيما اصطحب بعضها مواشيه وحمل ما استطاع من الأمتعة والفرش ومستلزمات الحياة الأساسية.

وتتزامنت هذه التطورات مع هجوم مليشيات الحوثي الذي طال مناطق الوازعية وجبل حبشي ومقبنة، في وقت تترك فيه كل موجة نزوح آثارًا مباشرة على السكان، بدءًا من فقدان المأوى ومصادر الدخل، وصولًا إلى صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية في مناطق النزوح.

وفي الساحل الغربي، كانت مدينة المخا ومحيطها من أبرز المناطق التي شهدت آثار التصعيد الأخير.

وبحسب تحديثات ميدانية، تسببت هجمات الحوثيين على مديرية المخا في نزوح 823 أسرة، تضم 3,481 امرأة وطفلًا، فيما ارتفع عدد الأسر النازحة منذ بدء هجمات الحوثيين في تعز في الثالث من سبتمبر إلى 5,799 أسرة، يقدّر عدد أفرادها بأكثر من 40 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال.

ولم تقتصر تداعيات التصعيد في المخا على النزوح، إذ أُبلغ عن عمليات نهب من مليشيات الحوثي طالت ميناء المخا ومطارها، شملت أجهزة إلكترونية ومعدات ووثائق وأصولًا مختلفة، كما قالت الأمم المتحدة إن الحوثيين صادروا ثماني مركبات من مركز الأمم المتحدة الإنساني في المخا، الأمر الذي عرقل العمليات الإنسانية وأثر على قدرة شركاء الأمم المتحدة على الوصول إلى السكان المحتاجين للمساعدات.

المخيمات تحت القصف

لا تقف تداعيات الحرب على النازحين عند إجبارهم على مغادرة مناطقهم، إذ سبق أن تعرضت تجمعات للنازحين نفسها للقصف، كما حدث في محافظة مأرب.

وفي مديرية رغوان شمال غربي مأرب، قُتل طفلان وأصيب 15 شخصًا، بينهم ثمانية أطفال، إثر استهداف الحوثيين مخيمًا للنازحين بقذائف الهاون، وفق ما أوردته إدارة النازحين.

وتسبب القصف في تضرر 16 منزلًا للنازحين بما تحتويه من فرش وأدوات طبخ ومستلزمات منزلية، إلى جانب تضرر ثلاث سيارات للمواطنين، دُمّرت إحداها بشكل كامل.

وأوضحت إدارة النازحين أن 23 أسرة كانت تقيم في المخيم، وأصبحت بحاجة عاجلة إلى مأوى وإيواء، داعية الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية إلى سرعة التدخل ومساعدة الأسر المتضررة.

وتكشف الحادثة عن الوجه الأكثر جرما لمليشيات الحوثي، فالأسر التي غادرت مناطقها هربًا من عنف الحوثي في المناطق التي تحت سيطرة إلى مارب بحثًا عن الأمان، وجدت نفسها في مناطق النزوح ملاحقة بقصفه العشوائي.

ومع استمرار المواجهات، يصبح المدنيون، وبينهم الأطفال والنساء، الطرف الأكثر تعرضًا لتبعات التصعيد، سواء من خلال فقدان المساكن أو الممتلكات، أو توقف مصادر الدخل، أو صعوبة الحصول على الخدمات الأساسية.

استجابة دون احتياجات

ومع اتساع رقعة النزوح، تتزايد الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية وقدرة الجهات المعنية والمنظمات على الاستجابة.

وحذرت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين من فجوة إنسانية خطيرة، مشيرة إلى نقص حاد في الخيام ومواد الإيواء، والمياه الصالحة للشرب، والمساعدات الغذائية والنقدية، والخدمات الصحية الأساسية.

وتحتاج الأسر التي وصلت حديثًا إلى مناطق الاستضافة في عدن ولحج وغيرها من المحافظات إلى أكثر من مجرد مكان للإقامة، إذ تواجه فقدان مصادر الرزق والحاجة إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية، إلى جانب احتياجات الأطفال والنساء والفئات الأكثر ضعفًا.

وحذرت الوحدة التنفيذية من أن استمرار التأخر في الاستجابة قد يؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني، وناشدت السلطات المحلية ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية والجهات المانحة التدخل العاجل وحشد الموارد وتقديم المساعدات المنقذة للحياة.

ومع استمرار التصعيد في تعز والساحل الغربي ومآرب ومناطق أخرى، يبقى خطر النزوح الذي يسببه قصف مليشيات الحوثي وهكاتها قائمًا على آلاف الأسر التي لم تعد تملك سوى خيار مغادرة منازلها كلما اقتربت المعارك من مناطقها.

وبينما تتواصل المواجهات على الأرض، تتسع معها فاتورة النزوح، لتضاف آلاف الأسر إلى قائمة اليمنيين الذين فقدوا مساكنهم ومصادر رزقهم، ويبحثون من جديد عن مكان يوفر لهم الحد الأدنى من الأمان.