
منذ سقوط صنعاء تحت حكم مليشيا الحوثي الكهنوتية، ثمة أشياء كثيرة في حياتنا اليمنية فقدت معناها قبل أن تفقد صورتها. الأحداث التي مرت بها البلاد خلال السنوات الماضية امتدت من السياسة وموازين القوة إلى تفاصيل حياة الناس اليومية، وصولاً إلى رموز ومناسبات ظلت مرتبطة بذاكرة المجتمع وطريقته في التعبير عن نفسه.
كانت المناسبات في اليمن جزءًا من الحياة اليومية أكثر من كونها أيامًا محددة في التقويم، وكانت البيوت تفتح أبوابها وتلتقي الأسر والجماعات وتتحول المجالس إلى مساحات تستعيد فيها الذاكرة حكاياتها القديمة، وفي تلك اللحظات كانت المناسبة تستمد حضورها من العلاقات التي تصنعها بين الناس ومن المعاني التي تتجدد داخل المجتمع مع كل جيل.
ظل المولد النبوي حاضرًا في الوجدان اليمني بصورة خاصة، حيث ارتبط عند كثير من اليمنيين بمجالس السيرة وبالحديث عن شخصية النبي الكريم وما حملته رسالته من قيم الرحمة والتسامح والأخوة. وبذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يعود إلى المعاني الكبرى التي شكلت جزءًا من هويته الدينية والثقافية. حضور هذه المناسبة كان متصلًا بالحياة التي تحيط بها أكثر من ارتباطه بمظاهر محددة، اللقاء بين الناس وتقاسم الطعام وتبادل الزيارات والحديث عن السيرة النبوية صنعت للمناسبة مكانتها في الذاكرة الشعبية وجعلتها قريبة من الناس بعيدًا عن التعقيدات السياسية التي تحيط بالمجتمع.
خلال السنوات الأخيرة تغير المشهد المرتبط بالمولد في مناطق سيطرة الحوثيين، أصبحت المناسبة مرتبطة بحشود كبيرة وشعارات وصور وخطاب سياسي واسع، وتحولت إلى مساحة تظهر فيها الجماعة قدرتها على التنظيم والحشد وتقديم رؤيتها عن نفسها وعن مشروعها. لكن المناسبة التي نشأت داخل المجتمع تحمل ذاكرة طويلة، وتجد نفسها أمام صورة جديدة تُقدم للناس باعتبارها التعبير الأبرز عنها، بينما تتراجع مساحات أخرى كانت جزءًا من الذاكرة الأصلية.
الحديث عن النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يرتبط بما تركته سيرته من أثر في تصور الإنسان للرحمة والعدل وحفظ كرامة الآخرين، وهي القيم التي جعلت شخصيته تتجاوز حدود الزمن والمكان وتبقى حاضرة في ضمير شعوب مختلفة حول العالم. وفي اليمن كانت السيرة النبوية جزءًا من الثقافة العامة التي انتقلت عبر المساجد والمدارس والمجالس الاجتماعية، وكان استحضارها في المناسبات فرصة للحديث عن الأخلاق والمعاملة الحسنة والتراحم بين الناس، كلها معانٍ اكتسبت أهميتها من ارتباطها بحياة المجتمع نفسه.
المشهد الحالي يطرح تساؤلات حول المسافة التي يمكن أن تفصل بين الرمز والمعنى، وبين المناسبة والصورة التي تقدم عنها. فالمجتمع يبدأ في رؤية الرمز من خلال الرسائل التي تحملها الجهة المسيطرة على المشهد، خاصة حين تصبح المناسبة محاطة بخطاب سياسي واحد، واستحضار أخلاق النبي في هذه المناسبة يفتح مساحة أوسع من مجرد الحديث عن سيرته. الرحمة التي عُرف بها وطريقته في التعامل مع المختلفين وحفظه لكرامة الإنسان وعنايته بالضعفاء، كلها معانٍ يمكن أن يجد فيها اليمني شيئًا من حاجته اليومية، في بلد أنهكته الحرب والانقسام والخوف. وحين تمر هذه المعاني في الذاكرة الشعبية تكتسب معنى يتجاوز ساعات الاحتفال ومظاهره لأنها تمس الطريقة التي ينظر بها الناس إلى بعضهم وإلى المجتمع الذي يعيشون فيه.
البلد الذي عاش سنوات طويلة من النزاع يحتاج إلى استعادة مفردات اجتماعية فقدت كثيرًا من حضورها، مثل الرحمة والتسامح والعفو وإغاثة المحتاج واحترام الجار وحفظ حق المختلف. كل مناسبة دينية تحمل في ذاكرتها هذه القيم يمكن أن تصبح مساحة لاستعادتها في الحياة العامة، خصوصًا في مجتمع أصبحت فيه الخصومة السياسية قادرة على الوصول إلى البيت والقرية والمدرسة ومكان العمل.
اليمنيون عرفوا المناسبات الدينية والوطنية باعتبارها جزءًا من حياتهم المشتركة، كانت الجمهورية نفسها رغم كل ما أصاب تجربتها من تعثر إحدى الأفكار التي تشكلت حولها ذاكرة وطنية واسعة. وكذلك بقيت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، ومناسبات الاستقلال وغيرها من المحطات حاضرة في الوعي العام باعتبارها لحظات يتذكر فيها اليمنيون صورة مختلفة لبلدهم. لكن مع مرور السنوات تعرضت كثير من هذه الرموز للتشويه والاستقطاب، حتى أصبح الخلاف حولها جزءًا من الصراع على تعريف اليمن نفسه، وهذا ما يجعل الحديث عن المولد في اليمن متصلًا بقضية أوسع تتعلق بالذاكرة.
المجتمعات التي تتعرض للحروب الطويلة تصبح ذاكرتها ميدانًا للصراع، وتبدأ الأطراف المختلفة في إعادة ترتيب الرموز والأحداث بما يخدم الصورة التي تريد تثبيتها عن الماضي والحاضر. ومع الوقت قد تنشأ أجيال تعرف المناسبة من خلال المشهد الذي تقدمه السلطة أو الجماعة المسيطرة، أكثر مما تعرفها من خلال ما بقي منها في ذاكرة الأسر والمجالس والقرى. المشهد الحوثي للمولد يحمل هذه الخاصية بوضوح؛ فالحشود المنظمة، واللافتات، والأناشيد، والصور، واللون الأخضر الذي يغطي مساحات واسعة من المدن والقرى، تصنع صورة بصرية شديدة الحضور، وتمنح المناسبة قدرة كبيرة على احتلال المجال العام.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه على الوعي اليمني، متعلقًا بما تتركه هذه الصورة في المجتمع بعد انتهاء الاحتفال: ماذا يبقى من أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- في طريقة تعامل الناس مع بعضهم، وفي علاقة السلطة بالمواطن، وفي النظر إلى الخصوم والمخالفين، وفي التعامل مع الفقير والضعيف ومن لا يملك القوة التي تحميه؟ هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خطب طويلة حتى تكون حاضرة، لأنها تظهر في تفاصيل الحياة التي يعيشها الناس كل يوم.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل أن مليشيا الحوثي تقدم نفسها في هذه المناسبة من خلال شخصية النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم تستخدم المناسبة في بناء صورة سياسية خاصة بها. فالحضور الديني يمنح الخطاب قوة إضافية، والارتباط بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يمنح الجماعة مساحة رمزية واسعة تستطيع من خلالها تقديم نفسها باعتبارها صاحبة الصلة الأوثق بالمناسبة وبالتراث الديني المرتبط بها. وهنا تدخل الذاكرة الشعبية في منطقة حساسة، لأن الرمز الذي يخص ملايين اليمنيين يمكن أن يجد نفسه محاطًا بهوية سياسية محددة.
هذه الطريقة في تقديم المناسبة تترك أثرًا يتجاوز يوم المولد نفسه؛ فالطفل الذي يرى المدينة مغطاة بالشعارات والصور، ويسمع خطابًا واحدًا يتكرر في المدرسة والشارع والإذاعة والمجالس، يتلقى المناسبة ضمن منظومة كاملة من الرسائل السياسية والثقافية. ومع تكرار المشهد يصبح من الصعب فصل المناسبة في ذهنه عن الصورة التي صنعتها الجماعة حولها. وقد يكون هذا أحد أسباب أهمية استعادة المعنى الاجتماعي للمولد في الذاكرة اليمنية، فالأمر هنا لا يتعلق فقط بمواجهة الاحتفال أو رفضه، وإنما بإعادة فتح المساحة التي كان المجتمع يتحرك فيها حول المناسبة قبل أن تتسع المساحة السياسية إلى هذا الحد.
يمكن للناس أن يتذكروا النبي -صلى الله عليه وسلم- من خلال سيرته، وأن يتحدثوا عن رحمته، وأن يتشاركوا الطعام، وأن يزوروا بعضهم بعضًا، وأن يجدوا في المناسبة فرصة لتقوية الروابط التي أنهكتها الحرب. كذلك واقع اليمنيين الذين عاشوا سنوات من القتل والنزوح والانقسام بحاجة إلى استعادة هذه المساحات الإنسانية، لأن الحرب تركت داخل المجتمع طبقات من الخوف والشك والخصومة تحتاج إلى ما يخففها. وحين تأتي مناسبة دينية تحمل في أصلها معنى الرحمة والأخوة، فإن حضورها في المجتمع يمكن أن يكون أقرب إلى ترميم بعض ما تصدع في العلاقات اليومية.
لكن استمرار تحويل المناسبة إلى موسم تعبئة سياسية متكرر، يمنح الجماعة فرصة إضافية لتثبيت حضورها في المجال العام، ويجعل كل عام مساحة جديدة لإعادة إنتاج الخطاب ذاته وتوسيع دائرة تأثيره. وهذا يفسر جانبًا من الإصرار الكبير على حجم الاحتشاد وعلى الصورة الجماعية للمناسبة، لأن الحشد في هذه الحالة لا يؤدي وظيفة احتفالية فقط، بل يرسل رسالة عن حجم السيطرة والقدرة على جمع الناس وإدارة المجال العام. ومع ذلك فإن الصورة لا تكتمل من خلال الحشود وحدها، وهناك ملايين اليمنيين الذين يحملون علاقتهم بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في داخلهم بطريقة أكثر هدوءًا، ويحتفظون بذكريات أسرية واجتماعية مرتبطة بالمولد لم تدخل في ماكينة الخطاب السياسي. هذه الذاكرة موجودة في البيوت القديمة، وفي المجالس، وفي الأحاديث التي يتناقلها الكبار، وفي تفاصيل صغيرة قد لا تظهر أمام الكاميرات لكنها بقيت جزءًا من علاقة الناس بالمناسبة.
ومن المهم أن تبقى هذه المساحة حاضرة في الوعي اليمني، لأن الذاكرة حين تترك فراغًا تتقدم إليه الرواية الأقوى حضورًا في المجال العام. والجماعة التي تمتلك أدوات المدرسة والإعلام والشارع والحشد تستطيع أن تملأ هذا الفراغ بصورة متماسكة، حتى تصبح روايتها مع مرور الوقت جزءًا من الذاكرة العامة. ولذلك فإن استعادة المولد معناه الإنساني والثقافي تحتاج إلى جهد طويل يتجاوز موسم الاحتفال. تحتاج إلى إعادة قراءة السيرة النبوية في المساجد والمدارس والمراكز الثقافية، وإلى فتح نقاشات جادة حول القيم التي حملتها، وإلى إعادة الاعتبار للمجالس الاجتماعية التي كانت تستحضر هذه المعاني بعيدًا عن الصراع السياسي. وفي هذه النقطة تحديدًا يمكن لليمنيين أن يستعيدوا شيئًا من قدرتهم على حماية ذاكرتهم. فالمناسبات التي تعيش في وجدان الناس، تحتاج إلى مجتمع يتذكرها بطريقته ويمنحها المعنى الذي يتناسب مع تجربته وحاجاته. والمولد النبوي واحد من هذه المساحات التي يمكن أن تظل مفتوحة أمام اليمنيين جميعًا، بما يحملونه من اختلافات وتجارب وذكريات.
لهذا السبب يبدو الحديث عن المولد اليوم أوسع من مناسبة دينية تتكرر كل عام. فهو حديث عن الطريقة التي تتغير بها الرموز حين تدخل السياسة إلى تفاصيل الذاكرة، وعن قدرة الجماعات على إعادة تشكيل صورة الماضي من خلال السيطرة على الحاضر، وعن حاجة المجتمع اليمني إلى استعادة الأشياء التي كانت تجمعه قبل أن تصبح كل مناسبة تقريبًا جزءًا من معركة سياسية طويلة.
وحين ينظر اليمني إلى اللون الأخضر الذي يملأ شوارع صنعاء والمدن الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، يمكنه أن يرى فيه أكثر من لون. ويمكنه كذلك أن يتذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي يُحتفى بمولده لم يترك للناس لونًا يعلقونه على الجدران بقدر ما ترك لهم سيرة كاملة عن الإنسان حين تكون الرحمة جزءًا من سلوكه، والعدل حاضرًا في معاملته، والكرامة محفوظة في علاقته بالآخرين. هذه المعاني هي التي تستطيع أن تعيد للمولد مكانه الطبيعي في الذاكرة اليمنية، حيث تبقى المناسبة قريبة من الناس وحياتهم، وتبقى السيرة أوسع من أي جماعة وأبقى من أي مرحلة سياسية.



