مقالات

خرافات الكهنوت الدموي في محكمة بحرق الحضرمي 1-2

الكاتب | مجيب الحميدي

لم تقدم عقيدة الإمامة الهادوية الجارودية نفسها يوماً باعتبارها اجتهاداً سياسياً قابلاً للأخذ والرد، ولا رأياً يطلب حرية التنافس مع غيره، فقد عرضت مشروعًا تسلطيًا سلاليًا يهدد حقاً أساسياً من حقوق الأمة يرتبط بالكرامة وكمال الإنسانية، ويستخدم أدوات البغي والإكراه والعدوان في إخضاع المجتمع واستعباد الناس وتحويلهم إلى مقاتلين في سبيل مشروعها. ومن هنا لم يكن الخلاف معها خلافاً في فروع الفقه أو مناهج الاستنباط، وإنما خلافاً حول أصل الشرعية السياسية: أهي حق للأمة تمارسه بالشورى والاختيار، أم امتياز إلهي محصور في سلالة بعينها؟

وحين تتلبس دعوى الامتياز السلالي وغرائز التسلط والاستئثار بالتأويل الديني، تتحول من فكرة قابلة للنقاش إلى عقيدة تُجرّم المخالف، وتمنح العنف غطاءً دينياً. ويغدو الخروج بالسيف لاسترداد ما يسمى الحق الإلهي جزءًا من بنية النظرية نفسها، لا مجرد خيار سياسي طارئ. وقد عبّر مؤسس الإمامة الهادوية يحيى بن الحسين الرسي عن هذا المنطق بقوله: “فلم أجد إلا الخروج أو الكفر بما أنزل على محمد”.

وهذا الخيار الهادوي العقدي يقول للآخر بلسان الحال والمقال: أنت بين خيارين: “إما أن أحكمك أو أقتلك؛ لأنك إما كافر تأويل أو كافر تنزيل”.

وتنظيريًا تصطدم نظرية الحق السلالي بعقبة كبرى تتمثل في الإجماع العملي للجيل الأول من المسلمين على العمل بخلافها، وترسيخ مبدأ حق الأمة في الاختيار. فلم يُنقل عن أحد من الصحابة اعتراض على بيعة الشيخين بحجة وجود نص إلهي يعيّن الإمام. وحتى الذين تحفظوا في بداية الأمر من بني هاشم، إنما كان تحفظهم قائمًا على تصور للأولوية المستندة إلى القرابة، لا على ادعاء وجود نص إلهي ملزم. ثم إنهم بايعوا، والتزموا بما انتهى إليه اجتماع المسلمين؛ لأن ادعاء الأهلية أو الأولوية لا يعدو أن يكون عرضًا لمؤهلات المرشح أمام صاحب الحق الحقيقي، وهو الجماعة السياسية للمسلمين. فإن ارتضته الجماعة انعقدت له الولاية، وإن رأت غيره أولى بها، لم يجز الخروج على اختيارها، ولا الاعتداد بمن شذ عنها.

وهذا الموقف الذي جسده الجيل الأول من المسلمين، بوصفه التطبيق العملي الأول لقيم الإسلام في السياسة، جعله هدفًا دائمًا لحملات التكفير والتشويه في مختلف مشاريع الإسلام السلالي. فالصحابة هم نقلة الوحي، وحملة السنة، وشهود حقائق التنزيل الرسالي، وهم الجدار الذي تقف أمامه دعاوى التأويل السلالي؛ لذلك كان الطعن فيهم وسيلة لهدم المرجعية المؤسسة للإسلام، تمهيدًا لفرض كهنوت يحتكر الحديث باسم الله والقرآن والرسول، ويمنح نفسه سلطة الوصاية على الأمة.

الصارم المسلول… الدفاع عن السور الأول

في سياق هذا الصراع الفكري، يمكن فهم الجهود التي بذلها علماء اليمن عبر القرون في الذود عن الصحابة رضي الله عنهم؛ فلم يكن دفاعهم عنهم تعصبًا لأشخاص أو انحيازًا لجيل مضى، وإنما دفاعًا عن المرجعية المؤسسة للإسلام، وعن الجيل الذي حمل الوحي، ونقل القرآن والسنة، وأقام التطبيق الأول للدين بعد وفاة الرسول ﷺ. ولذلك أدرك هؤلاء العلماء أن استهداف الصحابة لم يكن غاية في ذاته، فهو وسيلة لهدم الشاهد الأول على حقيقة الإسلام، وإحلال تأويل سلالي محل الفهم الذي أجمع عليه جيل الرسالة.

ومن أبرز هذه الجهود رسالة الإمام الفقيه والمحقق الموسوعي محمد بن عمر بن مبارك بحرق الحضرمي الحميري (869-930هـ)، الموسومة بـ«الصارم المسلول في الرد على متنقصي أصحاب الرسول». ويعد بحرق أحد أعلام اليمن والعالم الإسلامي في عصره؛ فقد تنقل بين سيئون وعدن وزبيد ومكة والهند، وخلف عشرات المصنفات في الفقه وأصوله والحديث واللغة والتفسير والطب والفلك وغيرها، حتى استحق أن يوصف بـ”علامة اليمن في عصره”. ولا يتسع المقام للحديث عن مكانته العلمية التي تستحق دراسة مستقلة.

ولم يكن اختيار بحرق لهذا العنوان الحاد من قبيل السجال اللفظي الذي اشتهر به بعض علماء عصره، ولا مجرد محاكاة لعنوان كتاب آخر بقدر ما يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة المعركة الفكرية التي يخوضها. فقد رأى أن الطعن في الصحابة هو السور الأول الذي يسعى المشروع السلالي إلى هدمه؛ لأن بقاء عدالتهم يبقي الحقيقة التاريخية الكبرى قائمة: أن الجيل الذي عاش مع النبي ﷺ، وعرف منزلة أمهات المؤمنين، لم يفهم الإمامة بوصفها حقًا إلهيًا وراثيًا، وإنما أقام نظام الحكم على الشورى والبيعة واختيار الأمة.

ومن هنا جاءت رسالة «الصارم المسلول» دفاعًا عن أكثر من جيل تاريخي؛ لقد كانت دفاعًا عن سلامة المنهج الذي نُقل به الإسلام، وعن المرجعية التي تفسر نصوصه، وعن الشرعية السياسية التي انعقد عليها إجماع المسلمين في صدر الإسلام. ولذلك لم يجعل بحرق الهدف من رسالته مجرد الرد على من انتقص الصحابة، لقد أقام بناءً استدلاليًا متكاملًا ينتهي إلى أن الطعن في حملة الرسالة ليس سوى المدخل الشيطاني للطعن في الإسلام وتسويغ دعوى الحق الإلهي السلالي.

بحرق الحضرمي… واستجابة الجغرافيا اليمنية

في القرن العاشر الهجري، وصلت إلى الإمام جمال الدين محمد بن عمر بن مبارك بحرق الحضرمي رسالة من الفقيه شرف الدين الحرازي، وكان يقيم في مناطق قريبة من صنعاء خاضعة لنفوذ الإسماعيلية، يصور فيها ما يلقاه أهل السنة من حملات تستهدف الصحابة، وتبشر بعقيدة الولاية السلالية، مستنجدًا بعلماء الأمة للمشاركة في الذود عن عقيدتها ومرجعيتها.

ولم يتعامل بحرق مع تلك الرسالة باعتبارها سؤالًا فقهيًا عابرًا، فقد وجدها نداءً يستوجب النهوض لنصرة الدين والدفاع عن وعي الأمة. فجاءت استجابته في مفتتح رسالته معبرة عن هذا الشعور بالمسؤولية، فقال مخاطبًا الحرازي:

“فقد سمعت نداءك أيها الأخ المستنجد، وأجبت دعاءك أيها الصارخ المسترشد… بما يجب عليَّ لك من حق الإخاء والوداد، ولله ورسوله من نصرة الدين والجهاد، ولأئمة المسلمين وعامتهم من النصح والإرشاد”

ولا تكمن أهمية هذه الرسالة في مضمونها العلمي فحسب، دون دلالتها الحضارية والوطنية ؛ فقد تحركت فيها الجغرافيا اليمنية كجسد واحد في مواجهة المشروع الكهنوتي. فمن جبال حراز في شمال اليمن انطلق النداء، ومن حضرموت في أقصى الشرق جاءت الاستجابة، لتؤكد أن الدفاع عن المرجعية الإسلامية الجامعة لم يكن شأنًا إقليميًا ضيقًا، فهي قضية يمنية عامة تجاوزت حدود الأقاليم والانتماءات المحلية.

وكان بحرق يدرك أن الخلاف مع الإسماعيلية الباطنية لا يقتصر على فرع مذهبي، وإنما يمس أصلًا فكريًا مشتركًا مع الهادوية الجارودية؛ فكلتاهما تنطلقان من فكرة الحق الإلهي السلالي، وتمنحان السلالة امتيازًا في السلطة وتأويل الدين، وتجعلان الطعن في الصحابة وسيلة لإعادة بناء الشرعية على أسس مغايرة لما أجمع عليه الجيل الأول. ولذلك فإن تفكيك الأساس الذي تقوم عليه الدعوى الباطنية كان، في الوقت نفسه، تفكيكًا للأساس الذي تقوم عليه الدعوى الجارودية؛ لأن العلة الفكرية واحدة، وإن اختلفت بعض التفاصيل المذهبية.

ومن هنا لم يكتب بحرق رسالة جدلية عابرة، وإنما أقام ما يشبه محكمة علمية استدعى إليها الشهود، وناقش الأدلة، وألزم الخصوم بلوازم أقوالهم، حتى انتهى إلى تفكيك البنية الفكرية التي يستند إليها ادعاء الحق الإلهي السلالي.

محكمة بحرق… تفكيك خرافة الحق الإلهي السلالي

لم يتعامل بحرق مع دعوى الإمامة الإلهية باعتبارها خلافًا تاريخيًا يُستعاد للتشفي من الماضي، ولا باعتبارها مسألة مذهبية تُحسم بكثرة النقول، وإنما تعامل معها بوصفها دعوى تستوجب إقامة البينة، واستجواب الشهود، واختبار الأدلة، ثم النظر في اللوازم التي تترتب عليها. ولهذا جاءت رسالته أقرب إلى محكمة علمية متكاملة، يتحرك فيها بمنهج الأصولي والمناظر، أكثر مما يتحرك بمنهج الواعظ أو الخطيب.

الجلسة الأولى: عدالة الشهود قبل النظر في الدعوى

افتتح بحرق مرافعته من النقطة التي رأى أنها أصل النزاع كله: الصحابة. فلم يكن الطعن فيهم -في نظره- مجرد موقف من رجال التاريخ، لأنه طعن في الشهود الذين نقلوا القرآن والسنة، وشهدوا التنزيل، وأقاموا أول تجربة سياسية للمسلمين بعد وفاة الرسول ﷺ.

ولهذا قرر قاعدته المنهجية الشهيرة:

“القدح في الناقل قدحٌ في المنقول”

فإذا سقطت عدالة الجيل الذي نقل الوحي، لم يبقَ ما يمنع من إعادة بناء الدين والتاريخ وفق تأويلات ظهرت بعد عصر الرسالة. ومن هنا أدرك بحرق أن استهداف الصحابة ليس غاية مستقلة، فهو الشرط اللازم لإقامة دعوى الحق الإلهي السلالي؛ لأن بقاء شهادتهم يبقي الحقيقة التاريخية قائمة: أن الجيل الذي عاش مع النبي ﷺ، وعرف منزلة أزواجه وقرابته، لم يفهم الإمامة بوصفها تفويضًا إلهيًا وراثيًا، وإنما أقام السلطة على الشورى والبيعة واختيار المسلمين.

ثم يوجه بحرق سؤالًا منهجيًا إلى خصومه يكشف به تناقضهم الداخلي، فيقول:

“إن هذه الأحاديث كلها وغيرها إنما رواها الصحابة الذين أبطل السلاليون عدالتهم وردوا شهادتهم… فكيف احتجوا بروايتهم فيما وافق رأيهم وأهواهم، وردوها فيما هو أهم من ذلك من نقل أصل الدين وما سواه؟”

وبهذا لا يكتفي بحرق بالدفاع عن الصحابة، فهو يحاكم منهج خصومه؛ إذ يرى أن من أسقط شهادة الرواة في أصول الدين لا يستطيع أن يعود للاحتجاج برواياتهم متى وافقت مذهبه؛ لأن قبول الشهادة أو ردها لا يتجزأ.

*الجلسة الثانية: على المدعي البينة… أين النص على الحق الإلهي؟*

بعد أن فرغ بحرق من تثبيت عدالة الشهود، انتقل إلى أصل الدعوى التي أقام عليها أصحاب الإمامة السلالية بناءهم كله: دعوى وجود نص إلهي يوجب الإمامة في علي رضي الله عنه وذريته من بعده.

وهنا لا يناقش بحرق مجرد خلاف سياسي حول أحقية شخص أو جماعة، وإنما يضع يده على جوهر المسألة: إذا كانت الإمامة أصلًا إلهيًا لا يجوز للأمة أن تختار فيه، فإن إثباتها لا يكون بالاحتمالات ولا بالتأويلات البعيدة، لا بد لها من نص ظاهر لا يحتمل النزاع؛ لأن ما كان من أصول الدين التي يُضلَّل المخالف فيها ويستباح دمه وماله وعرضه لا يمكن أن يُترك غامضًا أو مستترًا عن جمهور الأمة.

ولهذا يقرر بحرق معنى بالغ الأهمية في منهج الاستدلال، فيقول -بمعناه- إن الأمر لو كان كما يدعي أصحاب هذا القول من أن الإمامة منصوص عليها من الله تعالى، لكان ذلك من أوضح أمور الدين وأظهرها، ولما خفي على الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من علماء الأمة.

ثم يضرب حجته بأسلوب جدلي كاشف، إذ يقول:

“لو وجدنا ألف آية تدل على فضل علي رضي الله عنه، وألف حديث في مناقبه، لم يكن في ذلك دلالة على أنه الإمام المنصوص عليه بعد النبي ﷺ، إلا بدليل آخر يدل على انتقال الإمامة إليه”.

وهنا يكشف بحرق عن مغالطة مركزية في بناء الدعوى السلالية: الخلط بين الفضيلة والولاية السياسية، وبين الفضل والتعيين الإلهي. فليس كل من ثبت فضله ثبتت له الولاية السياسية بنص ديني، وإلا لكان كل صاحب منزلة أو فضيلة أحق بالسلطة بمجرد فضله، وهو ما لم يقل به أحد من المسلمين.

إن قيمة هذا الاستدلال عند بحرق أنه يعيد القضية إلى معيارها الصحيح؛ فليست القضية: هل لعلي مكانة عظيمة؟ فهذا أمر لا ينازع فيه مسلم، وإنما القضية: هل تحولت هذه المكانة إلى نظام سياسي ملزم للأمة بنص إلهي؟ وهل انتقلت هذه المكانة بالجينات إلى سلالته؟

ومن هنا يوجه بحرق ضربة منهجية إلى أصل النظرية؛ فالدليل على الفضل لا يكفي لإثبات الإمامة، والدليل على الفضيلة لا يساوي دليلًا على الاستخلاف، والقرابة من رسول الله ﷺ لا تتحول بذاتها إلى تفويض سياسي مغلق.

الجلسة الثالثة: الإمام علي شاهدًا… هل احتج بالنص الإلهي؟

بعد أن طالب بحرق أصحاب دعوى الإمامة بإقامة البينة على وجود النص الملزم، انتقل إلى مرحلة أكثر إلزامًا للخصم: استدعاء الإمام علي رضي الله عنه نفسه شاهدًا في القضية.

فلو كانت الإمامة عهدًا إلهيًا ثابتًا بالنص، ولو كان ترك الأمة لهذا النص يمثل خروجًا على أصل من أصول الدين، لكان الإمام علي رضي الله عنه أول من يحتج به في المواطن التي وقع فيها الخلاف، وأول من يذكّر الأمة بعهد الله ورسوله إليه.

غير أن بحرق يلفت النظر إلى أن ما نُقل عن الإمام علي في مواقفه السياسية لم يكن قائمًا على الاحتجاج بنص إلهي يجعله إمامًا مفروضًا على الأمة، وإنما كان احتجاجه قائمًا على ما له من السابقة والفضل والقرابة والصحبة والمكانة في الإسلام.

وهنا تظهر نقطة بحرق المنهجية: فالمدعي لا يُحاكم فقط إلى النصوص التي يستشهد بها أنصاره بعد قرون، فقد يُحاكم أيضًا إلى موقف صاحب الشأن نفسه؛ لأن الإمام الذي يُنسب إليه حق إلهي في الحكم لا يمكن أن يسكت عن أصل هذا الحق في اللحظات التي يكون الاحتجاج به فيها أبلغ وأقوى.

ومن ثم يطرح بحرق سؤالًا كاشفًا: كيف يتحول أمر لم يكن حاضرًا في خطاب الإمام علي رضي الله عنه، ولا في خطاب كبار العلويين من بعده، إلى أصل عقدي يُجعل منكره خارجًا عن دائرة الحق؟

إن الفارق الذي يكشفه بحرق هنا هو الفارق بين الاختلاف على الأفضلية والقول بالاصطفاء الإلهي؛ فالأول مجال للنظر والاجتهاد، أما الثاني فيحتاج إلى نص قاطع لا يحتمل التأويل. فإذا غاب النص، بقيت الفضائل والمناقب في مجالها الطبيعي: دليل محبة وتقدير، لا سندًا لإقامة سلطة وراثية مغلقة.

ولهذا لم يرَ بحرق أن مكانة آل البيت تحتاج إلى بناء خصومة مع الصحابة؛ لإن تعظيم آل البيت -في نظره- لا يتحقق بإسقاط أصحاب النبي ﷺ، وإنما بحفظ مكانة الجميع داخل البناء التاريخي للإسلام: أهل البيت موضع محبة وولاء، والصحابة موضع اقتداء وشهادة، والسلطة شأن يعود إلى جماعة المسلمين. وللمقال بقية..