مؤيد باجس
حلّت أمس السبت 4 تموز/ يوليو، الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة، وسط احتفالات رسمية كبيرة.
قبل ربع قرن، صدرت وثيقة أعلنت انفصال ثلاث عشرة مستعمرة في أمريكا الشمالية عن المملكة البريطانية، وأرست الأساس لقيام دولة أصبحت لاحقاً أكبر قوة عالمية
ورغم أن الرابع من تموز/ يوليو 1776 يمثل تاريخ إعلان الاستقلال، فإن الحرب مع بريطانيا استمرت سنوات أخرى قبل أن تعترف لندن رسمياً باستقلال الولايات المتحدة عام 1783.
وخلال القرنين التاليين، شهدت البلاد توسعاً جغرافياً وسياسياً كبيراً، إلى جانب محطات بارزة شملت الحرب الأهلية، وإلغاء العبودية، وحركات الحقوق المدنية، وصولاً إلى مكانتها الدولية في القرن العشرين.
مستعمرات بريطانية
قبل إعلان الاستقلال، كان الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية يضم ثلاث عشرة مستعمرة بريطانية، بدأت أولها عام 1607 مع تأسيس مستوطنة جيمستاون في فرجينيا، بينما كانت جورجيا آخر المستعمرات التي أُنشئت عام 1732. وبحلول عام 1775، بلغ عدد سكان هذه المستعمرات نحو مليونين ونصف المليون نسمة.
وخلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، تصاعد الخلاف بين المستعمرات وبريطانيا، بعدما فرضت لندن سلسلة من الضرائب، من بينها “قانون الطابع” عام 1765، ثم “قوانين تاونسند” عام 1767، التي شملت ضرائب على عدد من السلع المستوردة.
وفي عام 1770، وقعت “مجزرة بوسطن”، حين قتل جنود بريطانيون خمسة مستعمرين، قبل أن تتصاعد الأزمة مجدداً مع “حفل شاي بوسطن” عام 1773، عندما ألقى محتجون مئات صناديق الشاي في الميناء احتجاجاً على السياسة الضريبية البريطانية.
تمرد ومواجهة
ردت بريطانيا بإغلاق ميناء بوسطن وإصدار ما عُرف بـ”القوانين القسرية”، الأمر الذي دفع ممثلي المستعمرات إلى عقد “المؤتمر القاري الأول” عام 1774، ثم “المؤتمر القاري الثاني” في العام التالي، الذي عيّن جورج واشنطن قائداً للجيش القاري مع اندلاع المواجهات العسكرية.
وفي الرابع من تموز/ يوليو 1776، اعتمد المؤتمر “إعلان الاستقلال”، الذي كتب مسودته الرئيسية توماس جيفرسون، وأعلن انفصال المستعمرات عن بريطانيا وتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية.
من الحرب إلى بناء الدولة
لم يؤد إعلان الاستقلال إلى انتهاء القتال، إذ استمرت الحرب حتى عام 1783، عندما وقعت بريطانيا والولايات المتحدة “معاهدة باريس”، التي اعترفت فيها لندن رسمياً باستقلال الدولة الجديدة.
وقبل ذلك، ساهم الانتصار الأمريكي في معركة ساراتوغا عام 1777 في حصول المستعمرات على دعم فرنسي، قبل أن تنضم إسبانيا أيضاً إلى الحرب ضد بريطانيا. وفي عام 1781، شكل استسلام القوات البريطانية في يوركتاون آخر المعارك الكبرى في الحرب.
وبعد الاستقلال، بدأت الولايات الجديدة بتنظيم مؤسسات الحكم، فأقرت “مواد الاتحاد” عام 1781، قبل أن يضع المؤتمر الدستوري في فيلادلفيا دستوراً جديداً عام 1787، حدد صلاحيات السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وأسس للنظام الفيدرالي.
وفي عام 1789، أدى جورج واشنطن اليمين الدستورية ليصبح أول رئيس للولايات المتحدة، ثم صودق عام 1791 على أول عشرة تعديلات دستورية، التي عرفت لاحقاً باسم “وثيقة الحقوق”.
وتشكل المجتمع الأمريكي عبر قرون من الهجرة والاستيطان؛ إذ استقبلت البلاد موجات متعاقبة من المهاجرين القادمين من أوروبا، ثم من آسيا وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى من العالم.
وفي المقابل، نُقل ملايين الأفارقة قسرًا إلى أمريكا الشمالية عبر تجارة الرقيق خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، قبل إلغاء العبودية رسميًا عام 1865.
وفي السنوات الأخيرة، وتحديدا بعد وصول الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة في فترتين، عادت قضايا الهجرة إلى الواجهة، مع تبني الرئيس الجمهوري سياسة صارمة تهدف إلى منع التدفق البشري إلى أمريكا.
توسع بالمال والسلاح
شهد القرن التاسع عشر توسعاً كبيراً في مساحة الولايات المتحدة، بدأ بشراء إقليم لويزيانا من فرنسا عام 1803، وهو ما ضاعف مساحة البلاد تقريباً، ثم تبعته بعثة لويس وكلارك لاستكشاف الأراضي الجديدة.
وبين عامي 1846 و1848، خاضت الولايات المتحدة حرباً مع المكسيك انتهت بمعاهدة غوادالوبي هيدالغو، التي ضمت بموجبها كاليفورنيا ونيفادا ويوتا وأجزاء من أريزونا ونيومكسيكو، قبل أن تستكمل حدودها الحالية تقريباً بعد “شراء غادسدن” عام 1853.
حرب أهلية وفصل عنصري
بعد انتخاب أبراهام لينكولن رئيساً عام 1860، أعلنت ولايات جنوبية انفصالها، لتندلع الحرب الأهلية الأمريكية عام 1861، التي استمرت حتى عام 1865، وانتهت بانتصار قوات الاتحاد وإلغاء العبودية عبر التعديل الثالث عشر للدستور.
ورغم ذلك، استمر الفصل العنصري في عدد من الولايات الجنوبية لعقود من خلال ما عرف بـ”قوانين جيم كرو”، قبل إقرار “قانون الحقوق المدنية” عام 1964 و”قانون حق التصويت” عام 1965.
واللافت أن العبودية كانت قائمة قانونياً عند إعلان الاستقلال، وامتلك عدد من الآباء المؤسسين، بينهم جورج واشنطن وتوماس جيفرسون، عبيداً.
كما نص دستور عام 1787 على “قاعدة الأخماس الثلاثة”، التي احتسبت الشخص المستعبد بثلاثة أخماس شخص لأغراض التمثيل النيابي والضرائب.
كما تعرض السكان الأصليون لعمليات تهجير واسعة خلال التوسع غرباً، ولا سيما بعد إقرار “قانون إزالة الهنود” عام 1830، الذي أدى إلى تهجير عشرات آلاف السكان الأصليين في رحلة عرفت باسم “درب الدموع”. واستمرت المواجهات بين الجيش الأمريكي والقبائل الأصلية طوال القرن التاسع عشر، ومن أبرزها مذبحة “ووندد ني” عام 1890.
ولم تحصل النساء على حق التصويت في الانتخابات الفيدرالية إلا عام 1920 بعد إقرار التعديل التاسع عشر للدستور، فيما منع “قانون استبعاد الصينيين” الصادر عام 1882 هجرة العمال الصينيين إلى الولايات المتحدة حتى إلغائه عام 1943.
وخلال الحرب العالمية الثانية، اعتقلت السلطات الأمريكية نحو 120 ألف أمريكي من أصل ياباني بعد هجوم بيرل هاربر، وأودعتهم معسكرات احتجاز حتى نهاية الحرب.
الحقبة الجديدة.. حروب وحشية
دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى عام 1917، ثم الحرب العالمية الثانية بعد الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربر في السابع من كانون الأول/ ديسمبر 1941.
وبعد انتهاء الحرب عام 1945، برزت أمريكا إلى جانب الاتحاد السوفياتي كإحدى القوتين العظميين في العالم، قبل أن تدخل معه مرحلة عُرفت بـ”الحرب الباردة”، امتدت لعقود وشهدت سباقاً للتسلح وأزمات دولية وحروباً بالوكالة، وانتهت مع تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991.
وخلال تلك الفترة، قادت الولايات المتحدة حروبا وحشية خارج أراضيها، من بينها الحرب الكورية بين عامي 1950 و1953، ثم حرب فيتنام التي امتدت المشاركة الأمريكية فيها بشكل واسع بين عامي 1965 و1973، وانتهت بانسحاب القوات الأمريكية وسقوط سايغون عام 1975.
وأسفرت الحرب عن مقتل ملايين الفيتناميين، إضافة إلى عشرات آلاف الجنود الأمريكيين.
ومن أبرز الحروب، الغزو الأمريكي لأفغانستان بعد بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، إذ أطلق الرئيس جورج دبليو بوش ما يُعرف بـ”الحرب على الإرهاب”، ليقتل ويشرد ملايين الأفغان، ويستمر الوجود الأمريكي في تلك البلاد نحو عقدين، قبل أن تنتصر حركة “طالبان” التي تحكم أفغانستان اليوم.
وفي آذار/ مارس 2003 قادت الولايات المتحدة تحالفاً عسكرياً لغزو العراق وإسقاط الرئيس صدام حسين. في حرب كلّفت البلد الغني بالنفط ملايين القتلى والجرحى.
كما نفذت الولايات المتحدة عمليات عسكرية وضربات جوية في دول أخرى، بينها سوريا واليمن وإيران، وليبيا والصومال، ضمن عمليات مرتبطة بمكافحة الإرهاب أو ضمن تحالفات عسكرية.
وفي الرابع من تموز/ يوليو 2026، تحتفل الولايات المتحدة بمرور 250 عاماً على إعلان استقلالها، من خلال فعاليات تنظمها مبادرة America250 التي أقرها الكونغرس، إلى جانب فعاليات أخرى تحمل اسم Freedom 250 في عدد من الولايات، بالتزامن مع استضافة الولايات المتحدة جانباً من مباريات كأس العالم 2026.



