أخبار اليمن

غموض الفيلا وهوية “ميرا”.. بيان رغد صدام حسين يشعل سجالاً يمنياً يتداخل فيه القبلي بالسياسي

تقرير: احمد صالح
خاص

شهدت الساحة اليمنية تفاعلاً واسعاً وجدلاً محتدماً عقب صدور بيان منسوب لرغد صدام حسين مساء الخميس، نفت فيه وجود شقيقة لها في اليمن تُدعى “ميرا”.

وجاء صدور هذا البيان بالتزامن مع تصعيد قبلي حاشد ونكف مسلح في منطقة الريان، حشده الشيخ حمد بن فدغم الحزمي بهدف الضغط على مليشيات الحوثي التي تقف وراء السيطرة على فيلا سكنية تطالب بها ربيعته ميرا التي يعتبرها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين المجيد.

وتحولت القضية سريعاً من مجرد نزاع عقاري إلى ملف سياسي وتاريخي معقد تتشابك فيه خيوط ملكية العقارات الممنوحة لعائلة صدام حسين، وسط اتهامات متبادلة بالتضليل وتوظيف القضية لخدمة سلطة الأمر الواقع في صنعاء.

لغز عقود الملكية

أعادت هذه القضية فتح ملف المساكن والعقارات التي منحها الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح لعائلات وأقارب صدام حسين عقب سقوط بغداد عام 2003، حيث استقرت بعض تلك الأسر في العاصمة صنعاء لسنوات طويلة تحت رعاية الدولة.

وفي هذا السياق، يرى الناشط الصحفي جمال الغراب أن هناك نقطة جوهرية في ملف الفيلا وعلاقتها بالقيادي فارس مناع، بعيداً عن الجدل الدائر حول هوية الفتاة. ويؤكد الغراب أن ما ذكره فارس مناع بنفسه بشأن استئجاره للفيلا من اللواء علي صالح الأحمر هو أمر “صحيح مئة بالمئة”، لكن السؤال الحقيقي والأهم هو: متى استأجرها؟

ويوضح الغراب أن مناع تعمد في تصريحاته عدم التطرق إلى تاريخ استئجار الفيلا، وكان بإمكانه نشر العقد لإنهاء اللغط، لكنه لم يفعل لأن كشف التاريخ سيقود إلى “الحقيقة الغائبة” بشأن الملكية.

وتفيد المعلومات المتداولة بأن أقارب صدام حسين ظلوا في هذه المساكن لسنوات، لكن بعد سقوط العاصمة صنعاء بيد مليشيات الحوثي، وتحديداً عقب الإعلانات الإيرانية المستفزة بأن صنعاء هي العاصمة الرابعة التي سقطت في يد طهران، شعر أقارب صدام بالتهديد المباشر على حياتهم نظراً للكراهية التاريخية المعروفة بين النظام الإيراني وعائلة صدام، فبدأوا بمغادرة اليمن عام 2015.

وعقب مغادرتهم، سارع أقارب صالح والمحسوبون على نظامه للسيطرة على هذه العقارات، وكانت الفيلا محل النزاع من نصيب اللواء علي صالح الأحمر، والذي قام لاحقاً – وبوساطة من علي الشاطر – بتأجيرها لفارس مناع في تاريخ غير معلوم.

ويختم الغراب بأن بيان رغد صدام حسين، بغض النظر عن دوافعه، جاء ليؤكد صحة هذه المعلومات تاريخياً بأن الفيلا كان يسكن فيها عمها سبعاوي إبراهيم التكريتي، وأن بقية الحقائق ستتكشف لا محالة مع الوقت.

اتهامات تزوير البيان

في المقابل، قوبل البيان المنسوب لرغد صدام حسين بموجة عارمة من التشكيك والرفض من قبل ناشطين إعلاميين بارزين، اعتبروا التوقيت دليلاً على تلاعب وتواطؤ سياسي، وتحديداً لمحاولة تخفيف الضغط القبلي العسكري المتصاعد ضد مليشيات الحوثي في منطقة الريان.

حيث شنّ الناشط راشد معروف هجوماً عنيفاً على البيان عبر صفحته في منصة “إكس”، متسائلاً باستنكار: “معقولة رغد صدام تصدر بياناً رسمياً لا يتضمن ختماً رسمياً ولا حتى توقيعاً رسمياً؟”. ووصف معروف البيان بأنه مجهول الهوية ونُشر على حساب غير موثق بالشارات الحكومية، مؤكداً أن النص يمتلئ بالمغالطات والتضليل.

وكشف معروف أن “ميرا” توجه المناشدات لعائلة صدام منذ عشر سنوات لإجراء مطابقة فحص الحمض النووي DNA لكنهم يتجاهلونها، ما دفعها للسفر إلى الأردن شخصياً للبحث عن رغد، إلا أن الأخيرة رفضت إجراء أي فحوصات معها.

وأضاف معروف في تدوينة عاجلة أن رغد، وبعد 10 سنوات من الإنكار، حاولت اليوم خدمة إيران ومليشيات الحوثي عبر هذا البيان، حيث اعترفت ضمناً بأن الفيلا تعود لعمها سبعاوي، وهذا يكذب مليشيات الحوثي التي تزعم أن الملكية تعود لعلي صالح الأحمر، متوقعاً أن تضطر رغد مستقبلاً للاعتراف بنسب ميرا. ودعا معروف الشارع اليمني لعدم السماح للمليشيات بتضليل الرأي العام بهذه الأخبار الكاذبة.

وفي ذات السياق، أثار ناشطون وصحفيون تساؤلات علنية ومباشرة حول ما إذا كانت مليشيات الحوثي قد قامت بـ “شراء هذا البيان” من رغد صدام حسين وتنسيقه معها، خصوصاً وأنه استُخرج بالتزامن مع الحشد القبلي الضاغط.

بينما يرى الإعلامي زكريا الغندري أنه لا جديد في إنكار رغد، فمن الطبيعي لأي شخص أن ينكر من يدعي أنه شقيقه، لكن النقطة الجوهرية هي ثبات شجاعة “ميرا” الشديدة وشبهها الكبير بصدام حسين، مستبعداً أن تدعي امرأة زوراً قضية تحولت إلى رأي عام.

وأكد الغندري أن ميرا أصبحت اليوم “ربيعة” الشيخ حمد بن فدغم وقبيلة دهم ككل، ويجب أن تُسلم لها حقوقها في مطارح الكرامة، مهاجماً موقف رغد التاريخي.

شهادة دبلوماسية

وفي شهادة أثارت تفاعلاً واسعاً في الأوساط اليمنية، أدلى مستشار السفارة اليمنية السابق في القاهرة إبراهيم الجهمي، ببيان مطوّل تحدث فيه عن علاقته السابقة بعدد من أفراد عائلة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وما ارتبط بها من ملفات دبلوماسية وإجراءات سفر وتنقل في عدد من الدول.

وأشار الجهمي إلى أنه تعامل خلال تلك الفترة مع حالات مرتبطة بأفراد من العائلة، وتواصل مع جهات رسمية لإصدار وثائق سفر ومتابعة أوضاعهم في أكثر من دولة، مؤكداً أن تلك الملفات وضعت أمامه بحكم موقعه الدبلوماسي.

وفي سياق حديثه، أوضح أنه تواصل مع شخصيات مقربة من العائلة في الخارج، وأنه تلقى منهم معلومات غير رسمية تفيد بأن “ميرا” تنتمي إلى أسرة صدام حسين، وأنها كانت موجودة في اليمن خلال فترات سابقة قبل مغادرتهم البلاد.

وأضاف أن هذه الروايات ظلّت – بحسب قوله – متداولة داخل دوائر مقربة من العائلة، دون تقديم وثائق رسمية حاسمة، مؤكداً أن ما يورده يأتي في إطار شهادة شخصية يتحمل مسؤوليتها.

بطلان الحارس القضائي

أما من الناحية القانونية والاجتماعية، فقد فكك الناشطون أبعاد النزاع حول العقار؛ حيث اعتبر الناشط مجدي عقبة أن “الحارس القضائي” التابع للمليشيات حجز بيوت ناس يُفترض أنهم “ضيوف في اليمن”.

وأوضح عقبة أن ملكية البيت كانت قد انتقلت تماماً من علي صالح الأحمر إلى عائلة سبعاوي، وبالتالي لا يوجد أي مسوغ قانوني يتيح لعلي صالح الأحمر استعادته أو تأجيره، مما يجعل كافة إجراءات الحارس القضائي الحوثي “باطلة بطلاناً مطلقاً”، مطالباً بإعادة المنزل فوراً لعائلة سبعاوي التي تملك وحدها الحق في البيع أو التأجير أو الهبة.

من جانبه، قدم الباحث في علم الاجتماع، محمد العلائي، قراءة سوسيولوجية ونفسية للقضية، مشيراً إلى أنه لو كانت هذه المرأة “أي ميرا” تمارس النصب والادعاء بأن أهلها معترفون بها، لكان بيان رغد كافياً لفضحها ودفن كذبتها.

لكن القصة مختلفة تماماً، فالمرأة قدمت نفسها منذ البداية كابنة من “زواج شرعي غير معترف بها من أقاربها”، ومن هنا نبع تعاطف وتفاعل الشارع والقبائل اليمنية معها بنصرة المظلوم.

ووصف العلائي بيان رغد بأنه “مكتبوب بلغة عدائية غبية مليئة بالهنجمة الخاوية” التي لا تفهم طبيعة اليمنيين الذين يعيشون صراعات مسلحة ومعقدة.

وأكد العلائي أن ما تفعله الفتاة ليس إساءة لصدام حسين بل هو “أعظم إطراء حصل عليه ولا كان يحلم به”، حيث هبت القبائل وتضامنت لأجل اسمه وذكراه للضغط على المليشيات.

واختتم الباحث حديثه بالتأكيد على أن هذا الملف بما يحمله من تعقيدات متداخلة بين البعد الإنساني والسياسي والاجتماعي، لا يمكن حسمه عبر البيانات المتبادلة أو السجالات الإعلامية، بل يحتاج إلى مسار واضح قائم على الأدلة الموثقة والمرجعيات القانونية.

وأشار إلى أن استمرار تضارب الروايات يوسع دائرة الجدل ويُبقي القضية مفتوحة على احتمالات متعددة، ما لم يتم اللجوء إلى آليات تحقق رسمية وشفافة تعيد ضبط النقاش في إطاره الموضوعي وتضع حداً للتوظيف الإعلامي والسياسي للملف.