تقرير /احمد صالح
خاص
في الوقت الذي تعيش فيه البلاد واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في تاريخها الحديث، تتكشف – وفق شهادات ميدانية متطابقة للوعل اليمني ومنشورات متداولة على نطاق واسع – صورة شديدة الخطورة في المناطق الحدودية بمحافظة صعدة المحاذية للسعودية، حيث تتحدث روايات محلية عن انهيار شبه كامل لمنظومة الضبط الأمني، وظهور جماعات مسلحة من المهاجرين الأفارقة، يُشار إليهم محليًا بـ”الأحباش”، يفرضون واقعًا أمنيًا بالقوة على بعض المسارات الجبلية مخلفين معاناة مريرة للمسافرين والسكان المحليين.
وبحسب تلك الروايات، لم يعد الحديث يدور عن تدفق اعتيادي للمهاجرين غير النظاميين، بل عن تحول بعض المسارات إلى نقاط نفوذ تُدار خارج أي إطار رسمي، وسط اتهامات مباشرة لسلطة الأمر الواقع المتمثلة بمليشيات الحوثي بالتغاضي أو العجز عن ضبط تلك المناطق رغم سيطرتها الكاملة على المحافظة.
هذا المشهد المتداول فجّر موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تصدرت وسوم مثل #ترحيلالاحبوشمطلبشعبي و#انقذواالمسافرين، في سياق خطاب شعبي غاضب يرى أن ما يجري لم يعد مجرد حوادث متفرقة، بل أزمة سيادة وأمن طرق تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
خلال السنوات الماضية ظلت المناطق الحدودية بين اليمن والسعودية، خصوصًا في نطاق محافظة صعدة والممرات الجبلية المحاذية لها، ساحةً مفتوحة لتداخل معقد بين الهجرة غير النظامية من دول القرن الإفريقي، واتساع شبكات التهريب، وتداعيات الحرب المستمرة في اليمن منذ عام 2014. ووفق تقارير صادرة عن منظمة الهجرة الدولية (IOM)، فإن هذا المسار يُعد أحد أبرز طرق الهجرة غير النظامية في المنطقة، حيث يعبر آلاف المهاجرين سنويًا من السواحل اليمنية باتجاه الشمال في محاولة للوصول إلى دول الخليج، عبر طرق جبلية شديدة الخطورة.
كما تشير تقارير أممية وحقوقية متعددة إلى أن هذه المناطق تُصنَّف ضمن أخطر مسارات الهجرة في العالم، بسبب غياب الاستقرار الأمني وتعدد السلطات الفعلية على الأرض، ما أدى إلى خلق بيئة معقدة تداخلت فيها حركة المهاجرين مع نشاط شبكات التهريب وعمليات الاستغلال والانتهاكات، في ظل ضعف القدرة على فرض سيطرة أمنية موحدة ومستقرة على طول الشريط الحدودي.
نقاط سيطرة
وبحسب شهادات محلية تحدثت للوعل عن واقع ميداني بالغ التعقيد في بعض مناطق صعدة، حيث يجري نصب نقاط تفتيش غير رسمية في عدد من المسارات الجبلية، تتحول فيها حركة المسافرين والسكان المحلبين إلى عملية ابتزاز مباشر تحت تهديد السلاح.
وتتركز هذه الادعاءات في مناطق مثل القهر وتشويه وسوق حطاب والرقو ومفتاح وسائلة الجبلين، حيث تشير مصادر محلية إلى أن المسافرين يُجبرون على دفع مبالغ مالية بالدولار أو الريال السعودي مقابل السماح لهم بالمرور، بينما يُمنح بعضهم – وفق نفس المصادر – أوراقًا مكتوبة بلغة غير عربية تُستخدم كتصاريح عبور بين نقاط مختلفة.
وفي بعض المنشورات، جرى الحديث عن عمليات نهب لممتلكات شخصية وهواتف وأموال، إضافة إلى احتجاز مسافرين في مناطق جبلية وعرة في حال عدم القدرة على الدفع، وهي روايات لم يتم التحقق منها بشكل مستقل حتى الآن، لكنها حظيت بتداول واسع وأثارت قلقًا شعبيًا متصاعدًا.
كما تتحدث مصادر محلية خاصة للوعل عن وجود مجموعات مسلحة أكبر عددًا في بعض النقاط، مع اتهامات بوجود تسهيلات أو تواطؤ من أطراف محلية يمنية، وهو ما زاد من حدة الجدل حول طبيعة السيطرة الفعلية على الأرض.
صمت سلطوي
في خضم هذا الجدل، يوجه ناشطون ومراقبون انتقادات حادة لسلطة الأمر الواقع في صعدة، المتمثلة بمليشيات الحوثي، باعتبارها الجهة المسيطرة أمنيًا وإداريًا على المحافظة، والمسؤولة – وفق القانون والواقع – عن تأمين الطرق وحماية المدنيين.
ويرى هؤلاء أن المفارقة تكمن في تشديد الإجراءات على النشاط الإعلامي والرقمي وملاحقة الأصوات المنتقدة إلى جانب تضييق العيش على السكان المحليين من قبل المليشيات، مقابل السماح للمهاجرين بتكوين جماعات مسلحة وغياب أي بيانات واضحة أو إجراءات معلنة تجاه ما يتم تداوله من حوادث على الطرق الحدودية.
ويذهب الخطاب الشعبي المتداول إلى تحميل المليشيات الحوثية المسؤولية الكاملة عن الإنفلات الأمني، باعتبارها الجهة التي تسيطر على المناطق التي يتكتل بها المهاجرين المسلحين، وتملك أدوات القوة والقرار، لكنها – بحسب الانتقادات – لا تتحرك لضبط ما يجري في بعض المناطق الحساسة، ما يفتح الباب أمام توسع الفوضى.
وفي هذا السياق، أعاد ناشطون تداول مقاطع ومقالات تنتقد هذا الوضع، من بينها مقال للكاتب عارف الفهيدي بعنوان “دمعة وطن”، والذي وصف فيه ما يجري بأنه استباحة لكرامة المواطن اليمني داخل أرضه، متهمًا سلطة الحوثيين بالتقاعس عن حماية الحدود والانشغال بملفات أخرى.
غضب متصاعد
يتجاوز النقاش الدائر اليوم حدود الجانب الأمني المباشر، ليأخذ بعدًا سياسيًا واجتماعيًا أوسع، مع تصاعد الحديث عن ما يُوصف بـ”اختلال السيادة” في المناطق الحدودية.
وتحذر أصوات في الشارع اليمني من أن استمرار هذا الوضع دون تدخل واضح قد يؤدي إلى تكريس واقع أمني جديد يصعب تغييره لاحقًا، خصوصًا في ظل هشاشة مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة.
كما تتزايد الدعوات إلى ما يُسمى بـ”ترحيل غير نظامي شامل” للمهاجرين المخالفين، في مقابل أصوات أخرى تطالب بتنظيم الملف وفق القانون ومنع أي تجاوزات أو انتهاكات تطال المسافرين أو السكان المحليين.
وفي كل الأحوال، يبقى القاسم المشترك في معظم المنشورات المتداولة هو الشعور بفقدان الأمان على الطرق، وتحولها إلى مساحة قلق دائم بدل أن تكون ممرًا طبيعيًا لحركة المواطنين.
سيادة مفقودة
مع استمرار الجدل، تظل الأسئلة الكبرى مفتوحة دون إجابات رسمية واضحة: من يسيطر فعليًا على الطرق الحدودية؟ ولماذا تتكرر الشكاوى دون حسم معلن؟ ولماذا تتقاعس مليشيات الحوثي مع هذه التكتلات؟
لكن بغض النظر عن الإجابات، فإن المزاج العام الذي تعكسه المنشورات يعكس أزمة ثقة متصاعدة بمليشيات الحوثي، وشعورًا متزايدًا بأن السيادة على الأرض لم تعد تُترجم إلى حماية فعلية للمواطن من قبل سلطة الحوثي.
وبين روايات متداولة واتهامات سياسية مباشرة، يظل الملف حاضرًا كأحد أكثر الملفات حساسية في المشهد اليمني، حيث تختلط فيه الحدود بين الأمن والسياسة والخوف اليومي للمسافرين والسكان المحللين، في بلد أنهكته الحرب والانقسام.
وتبقى الرسالة التي تتكرر في الخطاب الشعبي واضحة وحادة: أن أمن الطرق والمناطق الحدودية ليس قضية ثانوية ، وأن أي جهة تسيطر على الأرض تتحمل مسؤولية ما يجري عليها قبل أي طرف آخر.



