تقارير

إب.. حين تُهجَّر العقول وتُكافأ السجون

تقرير حقوقي يكشف كيف تحولت المحافظة الأكثر كثافة سكانية إلى بيئة طاردة للكفاءات والنخب

كشفت تقارير حقوقية حديثة عن تصاعد خطير في حملات الاختطاف والتهجير القسري التي تنفذها مليشيا الحوثي في محافظة إب، في سياسة وصفها حقوقيون بأنها تستهدف تفريغ المحافظة من نخبها الأكاديمية والمهنية والاجتماعية، وتحويلها إلى مساحة خالية من الأصوات المستقلة.

وبحسب التقرير، لم تعد الانتهاكات تقتصر على الاعتقالات التعسفية، بل امتدت إلى إجبار عشرات الأسر على مغادرة منازلها وأعمالها ومناطقها، بعد تعرضها للملاحقة والتهديد المباشر، في واحدة من أكبر موجات النزوح القسري للكفاءات التي شهدتها المحافظة خلال السنوات الأخيرة.

استهداف النخب

منذ أواخر مايو من العام الماضي، شنت مليشيا الحوثي حملات مداهمة واختطاف واسعة طالت أكاديميين وتربويين وأطباء ومهندسين وناشطين ووجهاء اجتماعيين في محافظة إب.

ووفقاً لتقارير صادرة عن المركز الأمريكي للعدالة ومنظمة صحفيات بلا قيود، فقد تجاوز عدد المختطفين 115 شخصاً، في إطار ما وصفته المنظمات الحقوقية بحملة منظمة تستهدف إسكات الأصوات المستقلة وإضعاف المجتمع المدني.

كما أشارت منظمة رايتس رادار إلى أن المحافظة شهدت خلال السنوات الماضية سبع حملات رئيسية من الاعتقالات والانتهاكات، تم خلالها توثيق أكثر من 480 حالة اعتقال تعسفي ومداهمة وتفتيش ومصادرة للممتلكات.

ويرى حقوقيون أن خطورة هذه الحملات لا تكمن في عدد الضحايا فقط، بل في طبيعة الفئات المستهدفة، التي تمثل النخبة العلمية والاجتماعية للمحافظة.

نزوح قسري

في الجانب الآخر من المأساة، كشف تقرير صادر عن منظمة جسور للعدالة والتنمية أن نحو 260 أسرة اضطرت إلى مغادرة محافظة إب خلال الفترة الماضية، بعد تعرض أفرادها للتهديد أو الملاحقة أو إدراج أسمائهم ضمن قوائم الاعتقال.

وتوزعت هذه الأسر بين محافظات مأرب وعدن وتعز وحضرموت، حيث بدأت حياة جديدة تحت وطأة النزوح وفقدان مصادر الدخل والاستقرار.

ويؤكد التقرير أن العديد من المهجرين اضطروا إلى ترك وظائفهم ومشاريعهم التجارية وممتلكاتهم، فيما لجأ آخرون إلى بيع أراضٍ أو ممتلكات خاصة لتأمين تكاليف المعيشة والإيجارات في مناطق النزوح.

خسائر مضاعفة

لم تتوقف آثار التهجير عند الجانب الاقتصادي فقط.فوفقاً للتقرير، واجه أبناء الأسر المهجرة صعوبات كبيرة في استكمال تعليمهم بسبب الانتقال المفاجئ بين المحافظات، فيما عانت أسر كثيرة من أزمات نفسية واجتماعية حادة نتيجة فقدان الاستقرار والخوف المستمر من الملاحقة.

كما سجلت منظمات حقوقية حالات عديدة لأسر فقدت مصادر دخلها بالكامل، وأصبحت تعتمد على المساعدات أو الأعمال المؤقتة لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ويقول حقوقيون إن الهدف من هذه السياسات لا يقتصر على معاقبة الأفراد المستهدفين، بل يمتد إلى خلق بيئة من الخوف تدفع المزيد من الكفاءات إلى المغادرة أو الصمت.

محافظة مستنزفة

ويرى مراقبون أن محافظة إب، التي كانت توصف لسنوات بأنها واحدة من أهم المحافظات اليمنية في التعليم والكفاءات المهنية، تشهد اليوم نزيفاً بشرياً متواصلاً نتيجة الانتهاكات والضغوط المتزايدة.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار تهجير الأكاديميين والأطباء والمهندسين والكوادر المتخصصة سيترك آثاراً طويلة المدى على مستقبل المحافظة وقدرتها على النهوض والتنمية.

مطالب عاجلة

وانتقد التقرير ما وصفه بضعف الاستجابة الرسمية لمعاناة الأسر المهجرة، وعدم وجود برامج حكومية كافية لدعمها أو تعويضها عن خسائرها.وأكد أن جرائم الاختطاف والإخفاء القسري والتهجير تمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

ودعا التقرير إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المختطفين، وتشكيل آلية وطنية مستقلة لحصر أوضاع الأسر المهجرة وتقديم الدعم اللازم لها، كما طالب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بتوثيق هذه الانتهاكات وممارسة ضغوط جادة لوقفها ومحاسبة المسؤولين عنها.

وفي ظل استمرار هذه الممارسات، تبدو إب أمام معركة من نوع آخر؛ معركة لا تستهدف الأرض بقدر ما تستهدف الإنسان نفسه، حيث تُغادر العقول والكفاءات منازلها تحت وطأة الخوف، فيما تبقى السجون أكثر اتساعاً من الجامعات، والصمت أكثر حضوراً من الأصوات التي كانت يوماً تصنع الحياة في المحافظة.

من صفحه امين الشفق