أخبار المنطقة

محو الذاكرة تحت الأنقاض.. حرب إسرائيلية ممنهجة لـ”إبادة” تاريخ غزة وإرثها الحضاري

غزة_ الوعل اليمني

أكثر من 3500 قطعة أثرية مفقودة تحت ركام متحف القرارة و70% من مقتنيات قصر الباشا دُمرت وسط جهود متواصلة لحماية الهوية الفلسطينية


لم تقتصر آثار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة على الخسائر البشرية والدمار العمراني، بل امتدت لتطال الإرث الثقافي والتاريخي الفلسطيني، مخلفة أضرارًا واسعة في المتاحف والمواقع الأثرية التي تشكل جزءًا من الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني.

وخلال سنوات الحرب، تعرضت عشرات المواقع التراثية والأثرية للتدمير أو الضرر المباشر، فيما باتت آلاف القطع الأثرية النادرة في عداد المفقود أو المدفون تحت الأنقاض، في مشهد يصفه مختصون بأنه تهديد غير مسبوق للهوية الثقافية الفلسطينية.

ويُعد متحف “القرارة” جنوبي قطاع غزة أحد أبرز الأمثلة على حجم الخسارة، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 3500 قطعة أثرية لا تزال تحت ركام المبنى المدمر، في حين فقد متحف “قصر الباشا” التاريخي في البلدة القديمة بمدينة غزة نحو 70% من مقتنياته، بعدما تعرض لأضرار جسيمة خلال العمليات العسكرية.

ويحمل قصر الباشا أهمية تاريخية خاصة، إذ يعود بناؤه إلى العصر المملوكي، وتحول إلى متحف وطني عام 2010، قبل أن تلحق به أضرار كبيرة أدت إلى فقدان جزء واسع من مقتنياته ووثائقه التاريخية.

وفي هذا السياق، أكد مدير دائرة المواقع والتنقيب بوزارة السياحة والآثار في غزة، الدكتور حمودة الدهدار، أن المواقع الأثرية والتراثية كانت ضمن الأهداف التي تعرضت للتدمير منذ المراحل الأولى للحرب، مشيرًا إلى أن أحياء تاريخية مثل الشجاعية والتفاح تعرضت لأضرار واسعة، إلى جانب متاحف بارزة من بينها قصر الباشا والقرارة والعقاد.

وأوضح الدهدار أن الخسائر لم تقتصر على المباني الأثرية، بل شملت لقى تاريخية نادرة تعود إلى حقب مختلفة، من بينها العصران البيزنطي والروماني، وهو ما يمثل ضربة قاسية للتراث الثقافي الفلسطيني.

وفي المقابل، ورغم ظروف النزوح وانعدام الإمكانات، تواصل فرق أكاديمية ومتخصصة جهودها لتوثيق الأضرار وأرشفة ما تبقى من المقتنيات التاريخية، في محاولة للحفاظ على ما يمكن إنقاذه من الإرث الثقافي المهدد بالضياع.

ويرى مختصون في شؤون التراث أن هذه الجهود تتجاوز البعد المهني، إذ تمثل معركة للحفاظ على الرواية التاريخية الفلسطينية ومنع اندثار الشواهد المادية التي توثق تعاقب الحضارات على أرض غزة عبر آلاف السنين.

كما تشير بيانات العاملين في قطاع المتاحف إلى أن قصر الباشا كان يستقبل نحو 70 ألف زائر سنويًا قبل الحرب، ما جعله أحد أبرز المعالم الثقافية والسياحية في القطاع، قبل أن يتحول إلى موقع متضرر يحتاج إلى عمليات ترميم وإعادة تأهيل واسعة.

ومع استمرار التحديات الميدانية، يواصل المختصون العمل على توثيق القطع المتبقية رقميًا وإعداد قواعد بيانات لحمايتها من الفقدان النهائي، مؤكدين أن الحفاظ على التراث الفلسطيني يمثل جزءًا أساسيًا من حماية الهوية الوطنية.

وبينما لا تزال آلاف القطع الأثرية مدفونة تحت الركام، يراهن العاملون في قطاع الآثار على جهود الإنقاذ والتوثيق لإبقاء الذاكرة التاريخية حية، في مواجهة محاولات محو الشواهد الثقافية والحضارية التي تختزنها غزة منذ قرون.