تقرير
في مساءٍ هادئ كانت تنظر إلى بناتها الثلاث وهن نائمات على فراشٍ بسيط، بينما كان زوجها يستعد للمغادرة إلى الجبهة. لم تكن تخشى الرصاص بقدر ما كانت تخشى ما سيأتي بعده؛ بيت بلا معيل، وطفلات بلا أب، وحياة لا تعرف كيف ستواجهها وحدها. كانت تدرك، بحدس الأمهات، أن الرجال الذين يذهبون إلى الحرب لا يعودون دائماً، لكن الذين يدفعونهم إليها غالباً ما يعودون إلى بيوتهم سالمين.
تقول المرأة، التي فضلت عدم الكشف عن اسمها: “كنت أرجوه كل يوم ألا يذهب. أقول له: إحنا ما لنا بعد الله إلا أنت. إذا مت من بيصرف علينا؟ من بيأكل البنات؟ من بيدفع إيجار البيت؟”.
لكن كلماتها كانت تضيع وسط سيلٍ من الخطب والشعارات والوعود التي أقنعته بأن مكانه هناك، في الجبهة، لا بين أطفاله.حملت بناتها الثلاث وغادرت إلى منزل أهلها احتجاجاً على قراره.تتذكر تلك الأيام بحسرة: “قلت لهم والله ما أرجع له إلا إذا تركهم”.
لكن وساطات عديدة تدخلت لإقناعها بالعودة. قيل لها إن زوجها لن يكون في الصفوف الأمامية، وإن الأمور تحت السيطرة، وإنه سيعود سريعاً.
عادت.غير أن الرجل الذي عاد إلى المنزل لم يعد كما كان.أصبح مشغولاً بأحاديث الحرب أكثر من انشغاله بأسرته. تتحدث زوجته عن تلك المرحلة قائلة: “كنت أحاول أرجعه للواقع. أقول له البنات محتاجاتك. يقول لي الجهاد أهم”.
لم يكن أمامها سوى الصمت والخوف.بعد أسابيع قليلة تم نقله إلى جبهة مأرب.هناك انتهت الحكاية بالنسبة له.وبدأت المأساة بالنسبة لأسرته.
خبر الموت
لم يمضِ سوى أسبوع واحد على وصوله إلى الجبهة حتى طرق الخبر باب المنزل.”زوجك قُتل”. تقول الأرملة إن كل شيء حولها توقف في تلك اللحظة.
لم تعد تتذكر تفاصيل كثيرة من ذلك اليوم سوى صراخ بناتها ووجوه الناس التي ازدحمت حولها.
في اليوم التالي أقيمت مراسم تشييع كبيرة. ارتفعت الشعارات وتعالت الخطب وتحدث الجميع عن التضحية والبطولة.
أما هي فلم تكن تسمع شيئاً. كانت تنظر إلى نعش زوجها وتفكر في البنات الثلاث اللواتي ينتظرنها في المنزل.
بعد انتهاء مراسم الدفن تلقت الأسرة مبلغاً مالياً محدوداً وسلة غذائية مع وعود كثيرة.”قالوا لنا لا تخافي. الدولة معكم. الراتب بيستمر. والرعاية موجودة”. لكن الأشهر التالية حملت واقعاً مختلفاً تماماً.
وعود ذابلة
وصلت بعض المساعدات لفترة قصيرة.ثم بدأت تتوقف تدريجياً.اختفت الوعود واحداً تلو الآخر.وباتت الأرملة تواجه الحياة بمفردها.تحاول توفير الطعام.تحاول شراء الدواء.تحاول تأمين الملابس.وتحاول قبل كل شيء دفع إيجار المنزل.
تقول: “كنت أبيع أي شيء عندي حتى ما نخرج من البيت”.لكن الفقر كان أسرع من قدرتها على المقاومة.تراكمت الإيجارات.وكبرت الديون.حتى جاء اليوم الذي وقف فيه مالك المنزل أمام الباب مطالباً بمستحقاته.
لم تكن تملك شيئاً.فكان الطرد.”ذلك اليوم كان أصعب من يوم مقتل زوجي”، تقول وهي تحبس دموعها. “حسيت أني فقدته مرة ثانية”.
لقمة مُرة
لم تجد خياراً سوى العمل.خرجت للبحث عن أي فرصة تساعدها على إطعام بناتها.انتهى بها الأمر عاملةً في أحد المطاعم.من الصباح حتى المساء تعمل لساعات طويلة مقابل أجر بالكاد يكفي لسد الاحتياجات الأساسية.
لكن التعب لم يكن أكثر ما يؤلمها.هناك شيء آخر.شيء يتكرر أمام عينيها كل يوم تقريباً. تقول: “أشوف ناس كانوا يشجعوا زوجي وغيره على الذهاب للجبهات. يدخلوا المطعم مع زوجاتهم وأطفالهم. يضحكوا ويتعشوا ويرجعوا بيوتهم”.
تتوقف قليلاً ثم تضيف: “وأنا أرجع لبناتي أفكر كيف أوفر لهم فطور بكرة”.تلك المفارقة هي أكثر ما يثقل قلبها.
“مات زوجي وعاش المحرّضون”.قصة هذه المرأة ليست استثناءً.فخلف أرقام الحرب آلاف القصص المشابهة.أرامل وجدن أنفسهن فجأة مسؤولات عن أسر كاملة.وأطفال كبروا بعيداً عن آبائهم.وعائلات انتقلت من حياة متواضعة إلى دائرة الفقر والعوز.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن اليمن لا يزال يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعتمد ملايين الأشخاص على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.
كما تؤكد منظمات دولية أن النساء والأطفال يتحملون العبء الأكبر من تبعات النزاع المستمر، سواء من خلال فقدان المعيل أو تدهور الأوضاع المعيشية أو انعدام فرص التعليم والرعاية الصحية.
لكن خلف هذه الأرقام الباردة تقف وجوه حقيقية.وجوه أمهات ينتظرن.وأطفال يسألون عن آبائهم.وأرامل يكتشفن أن الشعارات لا تدفع إيجار منزل، ولا توفر دواءً لمريض، ولا تعيد أباً إلى أطفاله.
رسالة أخيرة
اليوم، وبعد سنوات من رحيل زوجها، لا تطلب هذه المرأة تعويضاً ولا امتيازات.كل ما تريده أن تصل رسالتها إلى كل أب ما زال أمامه متسع من الوقت ليختار أسرته.
تقول بصوت متهدج:”لا تيتموا عيالكم من أجل شعارات ما بتشبع جائع ولا بترجع أب لعياله. اللي يدفع الثمن دائماً هم البسطاء. أما أصحاب النفوذ فيبقوا بين أسرهم آمنين”.
ثم تصمت.وفي ذلك الصمت تختبئ حكاية آلاف النساء اليمنيات اللواتي لم يخسرن أزواجهن فقط، بل خسرن بعدهم الأمان والاستقرار والقدرة على الحلم.حكاية تبدأ عند المقبرة، لكنها لا تنتهي عندها.
فبعض الحروب تنتهي على الجبهات، بينما تستمر سنوات طويلة داخل البيوت التي تركت خلفها أرامل وأيتاماً ينتظرون من يعيد إليهم ما لا يمكن تعويضه.



