تقرير /أحمد صالح
خاص
شهدت مدينة دمت بمحافظة الضالع، خلال اليومين الماضيين، موجة واسعة من التفاعل الشعبي على مواقع التواصل الاجتماعي عقب حادثة سقوط الشاب المعروف بـ”القعقاع” داخل فوهة حرضة دمت البركانية، في حادثة أعادت إلى الواجهة ملف السلامة في أحد أبرز المعالم الطبيعية والسياحية في اليمن، كما فتحت نقاشًا أوسع حول مسؤولية الجهات المحلية، وأطلقت حملات مجتمعية لمساندة أسرة الضحية وإعادة تأهيل الموقع.
وبحسب منشورات وتفاعلات رصدها “الوعل اليمني”، فإن الحادثة تجاوزت حدود الحزن والتعاطف، لتتحول إلى مساحة عامة للنقاش حول ظروف الشباب، وإدارة المواقع السياحية، وحدود المسؤولية الرسمية والمجتمعية.
من حادثة سقوط إلى قضية رأي عام
منذ الساعات الأولى للحادثة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة عزاء واسعة في الداخل والخارج، لكن سرعان ما انتقل النقاش إلى ما وراء الحادثة نفسها.
وتداول ناشطون صورًا لمنزل أسرة القعقاع الذي تقيم فيه بالإيجار في مدينة دمت، وهو منزل شعبي متواضع ما أثار تعاطفًا واسعًا، وربط كثيرون بين واقع الأسرة الاقتصادي وبين اندفاع القعقاع المتكرر نحو المغامرة والتسلق.
وفي هذا السياق، كتب ياسر عبدالله قاسم في صفحته على فيسبوك أن ما قام به القعقاع لم يكن نابعًا من حب الظهور أو التهور، بل من ظروف معيشية صعبة دفعته للسعي والمخاطرة من أجل تأمين احتياجات أسرته، داعيًا إلى دعم الأسرة بعد فقدان معيلها.
هذا الخطاب وجد صداه لدى كثير من المتابعين الذين بدأوا يطرحون تساؤلات حول ما إذا كانت المجتمعات المحلية والجهات القائمة على إدارة المنطقة كان بإمكانها احتواء مثل هذه الطاقات أو إيجاد بدائل أكثر أمانًا لها.
ومع اتساع التفاعل، بدأت أصوات توجه انتقاداتها نحو السلطة المحلية في دمت، الخاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي، باعتبار أن الموقع ظل مفتوحًا أمام الزوار دون تطوير أو تحسينات تتناسب مع مستوى الخطورة الذي يحيط به.
حملات دعم للأسرة
وبالتوازي مع النقاشات العامة، انطلقت حملات مجتمعية واسعة لدعم أسرة القعقاع، وتعددت المبادرات التي ركزت على توفير مسكن للأسرة وتأمين احتياجاتها.
وكان من أبرز هذه المبادرات ما طرحه الناشط بلال الشامي، الذي دعا في أكثر من منشور إلى تخصيص قطعة أرض من أملاك الدولة لصالح أسرة القعقاع لبناء منزل يؤويها، مطالبًا السلطة المحلية ومكتب أراضي وعقارات الدولة بالتجاوب مع المبادرة.
كما اقترح، في حال عدم الاستجابة الرسمية، إطلاق مساهمة مجتمعية بين أبناء المناطق الوسطى لتجميع المبالغ اللازمة لشراء الأرض والبناء، مؤكدًا أن حجم التفاعل الشعبي قادر على تحويل الفكرة إلى مشروع واقعي.
وفي السياق نفسه، أشار الشيخ ناجي علي الظاهري إلى وجود جهود موازية لتوحيد المبادرات والتبرعات، موضحًا أن الأخ علي رويد تواصل مع عدد من المبادرين من أجل فتح حسابات موحدة بالريال اليمني والريال السعودي والدولار الأمريكي لضمان تنظيم الدعم ووصوله إلى أسرة القعقاع.
وأوضح الظاهري أن التنسيق شمل أيضًا الفندم محمد علي السعيدي، إلى جانب مبادرات أخرى من داخل المديرية عبر الأستاذ صقر المريسي، فضلًا عن تفاعل عدد من فاعلي الخير من داخل اليمن وخارجها.
كما تداول ناشطون مشاركة الإعلامية روسيا الجبلي في التفاعل مع حملات الدعم، إلى جانب مساهمات أخرى أعلن عنها أفراد وشخصيات اجتماعية.
وفي خطوة عملية، أعلن أحد تجار دمت تبرعه بخمسين كيسًا من الأسمنت للمساهمة في بناء منزل للأسرة، داعيًا رجال الأعمال والمغتربين وأبناء دمت إلى تحويل التعاطف إلى دعم فعلي.
وفي المقابل، ظهرت انتقادات على مواقع التواصل تتساءل عن سبب عدم تقديم مثل هذا الدعم قبل وفاة القعقاع، غير أن القائمين على المبادرات ردوا بأن كثيرًا من المتبرعين لم يكونوا يعرفون الفقيد سابقًا، وأن الأولوية اليوم تتمثل في مساندة أسرته.
مبادرات لتأمين الحرضة
إلى جانب حملات دعم الأسرة، اتجه جانب آخر من التفاعل نحو معالجة الأسباب التي جعلت الحادثة ممكنة من الأساس.
وفي هذا الإطار، أعلن المغترب اليمني ورجل الأعمال أبو حيدر المنتصر عن مبادرة إنسانية لتأمين فوهة الحرضة عبر تركيب شبك حديدي ووسائل حماية في المواقع الخطرة، مؤكدًا استعداده لتحمل تكاليف المشروع على نفقته الخاصة حال وجود موافقة وتنسيق مع الجهات المحلية المختصة.
وأوضح في منشوره أن الهدف من المبادرة يتمثل في الحفاظ على أرواح الزوار والسياح وتحمل جزء من المسؤولية المجتمعية تجاه الموقع.
كما ظهرت دعوات أخرى تطالب بتحويل الحرضة من مساحة مفتوحة للمخاطر إلى موقع سياحي منظم.
وفي هذا السياق، نشر فؤاد العماري دعوة طالب فيها السلطة المحلية ووزارة السياحة بالتدخل لتحويل الموقع إلى معلم سياحي متكامل، عبر إنشاء سياجات حماية، وسلالم آمنة، ولوحات إرشادية، وتوفير تنظيم إداري دائم للموقع.
وذهب العماري إلى طرح فكرة إطلاق اسم «منتجع القعقاع السياحي» على المشروع المقترح، باعتبار أن الحادثة يجب أن تكون نقطة تحول في إدارة المكان لا مجرد ذكرى مؤلمة.
المسؤولية الرسمية والتضامن
وبين حملات التبرع ومبادرات التأمين والدعوات إلى إعادة تأهيل الموقع، بدا أن حادثة سقوط القعقاع تحولت من واقعة فردية إلى قضية عامة تتقاطع فيها أسئلة المسؤولية والعدالة والسلامة.
فمن جهة، يواصل ناشطون توجيه مطالبهم إلى السلطة المحلية في دمت لإعادة النظر في إدارة الموقع وتوفير الحد الأدنى من إجراءات السلامة، ومن جهة أخرى تتقدم المبادرات الفردية لسد فجوة يرى كثيرون أن الجهات الرسمية كان يفترض أن تسبق إليها.
ورغم أن الحادثة انتهت بفقدان شاب عرفه الناس بمغامراته، فإن ما تلاها كشف قدرة المجتمع على التحرك حين تتولد قضية جامعة، لكنه أعاد أيضًا سؤالًا ظل حاضرًا في أغلب المنشورات: هل سيبقى التفاعل في حدود التعاطف، أم يتحول إلى تغيير فعلي يمنع تكرار ما حدث؟



