تقارير

استخبارات الحوثيين. حيث تتحول الزنازين إلى صناعة للألم

تقرير

خلف الجدران الإسمنتية العالية في صنعاء، توجد حكايات لا تصل إلى المحاكم، ولا تظهر في البيانات الرسمية، ولا تعرفها حتى عائلات الضحايا كاملة.

هناك، في أقبية مغلقة لا تدخلها الشمس إلا نادراً، يعيش مئات اليمنيين وجهاً آخر للحرب. ليسوا في جبهات القتال، ولا تحت القصف، بل داخل منظومة اعتقال سرية تتهمها منظمات حقوقية وناجون من السجون بتحويل الاحتجاز إلى دورة متكاملة من الإخفاء والتعذيب والابتزاز النفسي والمالي.

ومع تزايد الشهادات حول ما يجري داخل مراكز الاحتجاز التابعة للأجهزة الأمنية الخاضعة لمليشيات الحوثي، يتكشف واقع أكثر تعقيداً من مجرد اعتقال سياسي، واقعٌ يصفه حقوقيون بأنه “اقتصاد قائم على الرهائن”، تتحول فيه أجساد المعتقلين إلى أدوات ضغط، وتصبح معاناة أسرهم جزءاً من منظومة العقاب نفسها.

عام الغياب

في أحد أحياء صنعاء، لا تزال والدة شاب مختطف منذ أكثر من عام تحتفظ بوجبة العشاء التي كان يفضلها ابنها في كل ذكرى شهرية لاعتقاله.

تقول بصوت متهدج:”لا أعرف إن كان حياً أم ميتاً. كل ما أعرفه أن مكانه فارغ منذ عام”.لم تتلق الأسرة أي وثيقة رسمية تحدد مكان احتجازه أو التهم المنسوبة إليه.

تحولت حياة العائلة إلى رحلة يومية بين السجون والوسطاء والوعود الكاذبة.تضيف الأم:”أصبحت أخاف من رنين الهاتف. أحياناً أتمنى أن يخبروني بأي شيء حتى لو كان مؤلماً. الصمت أصعب من الحقيقة”.

هذه القصة ليست استثناءً.فبحسب تقارير حقوقية يمنية ودولية، لا يزال آلاف اليمنيين يعيشون تجربة الإخفاء القسري في مناطق سيطرة الحوثيين، بينما تواجه أسرهم حالة مستمرة من القلق والانتظار.

مهنة التعذيب

شهادات متطابقة لضحايا سابقين تحدثت عن أساليب تعذيب قاسية داخل بعض السجون.من الضرب والصعق الكهربائي والحرمان من النوم، إلى الحبس الانفرادي لفترات طويلة، وصولاً إلى الابتزاز النفسي باستخدام أفراد الأسرة.

وتشير تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى توثيق أنماط متكررة من سوء المعاملة بحق محتجزين في اليمن، بينها حالات احتجاز خارج إطار القانون وتعذيب وإخفاء قسري.

ويؤكد محامون يمنيون أن المشكلة لا تتعلق فقط بوقائع فردية، بل بغياب آليات المساءلة والرقابة القضائية المستقلة على أماكن الاحتجاز.

رهائن المال

لكن التعذيب لا يتوقف عند حدود الزنازين.في كثير من الحالات، تبدأ معاناة جديدة خارج السجن. يقول شقيق أحد المعتقلين “بعنا قطعة الأرض الوحيدة التي نملكها. كنا نعتقد أن المبلغ سيؤدي إلى الإفراج عنه. أخذوا المال وبقي أخي في السجن”.

وفي حالة أخرى، اضطرت أسرة في محافظة إب إلى بيع منزلها لتغطية تكاليف وساطات ومحاولات متكررة لمعرفة مصير ابنها المختفي.

يقول والده:”خسرنا البيت والمال والاطمئنان. ولم نعرف حتى الآن أين هو”.ويرى حقوقيون أن الابتزاز المالي لأسر المعتقلين تحول إلى ظاهرة مقلقة تستنزف ما تبقى من مدخرات العائلات المنهكة اقتصادياً.

عائلات منهكة

لا يعيش المعتقل وحده العقوبة.فالزوجة تصبح أماً وأباً في الوقت نفسه.والأطفال يكبرون دون آبائهم.والأمهات يعشن أعواماً طويلة بين أبواب السجون والمستشفيات.

في ذمار، فقد والد المعتقل عاصم العشاري جزءاً كبيراً من صحته بعد إصابته بجلطة دماغية، بينما ظل ابنه محتجزاً دون أن يسمح له بزيارته.وفي صنعاء، كشفت مصادر حقوقية مؤخراً عن تدهور الحالة الصحية للعشاري وفقدانه البصر في إحدى عينيه بعد أكثر من عام على اعتقاله.

أما المسنة نصرة التعزي، البالغة من العمر 75 عاماً، فلا تزال تواجه ظروف احتجاز قاسية رغم معاناتها من السكري وارتفاع ضغط الدم وجلطة سابقة، وفق ما أكدته مصادر مقربة من أسرتها.

قصص مختلفة، لكن الألم واحد.

عدالة غائبة

يرى مختصون قانونيون أن أخطر ما في هذه الملفات هو تراجع دور القضاء وتحول قرارات الإفراج أحياناً إلى أوراق بلا تنفيذ.

ويشيرون إلى أن استمرار احتجاز أشخاص رغم صدور توجيهات أو أحكام بالإفراج عنهم يطرح تساؤلات جدية حول استقلالية المؤسسات القضائية في مناطق سيطرة الحوثيين.

كما تؤكد الأمم المتحدة مراراً أن الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري يمثلان انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني وللمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

سجون مفتوحة

في يونيو الجاري أعلنت الأمم المتحدة أن 73 من موظفيها ما يزالون محتجزين لدى الحوثيين، بعد أعوام من حملات الاعتقال التي طالت موظفين أمميين وعاملين في منظمات إغاثية وحقوقية.

الرقم لا يعكس فقط حجم الأزمة، بل يكشف اتساع دائرة الاستهداف لتشمل فئات مختلفة من المجتمع.موظفون.صحفيون.محامون.أكاديميون.ناشطون.وأشخاص لا يعرف أقاربهم حتى اليوم سبب اعتقالهم.

أمل مؤجل

في نهاية المطاف، لا تختزل هذه القضية في أرقام المعتقلين أو تقارير المنظمات الدولية.

القضية الحقيقية تكمن في آلاف الأسر التي تعيش كل يوم على أمل مكالمة هاتفية أو زيارة قصيرة أو خبر يبدد سنوات الانتظار.في اليمن، لا تقاس المأساة دائماً بعدد القتلى.أحياناً تقاس بعدد الأمهات اللواتي ينمن وهن لا يعرفن أين يقضي أبناؤهن ليلتهم.وبعدد الأطفال الذين كبروا وهم ينتظرون آباء لن يعود بعضهم أبداً.وخلف كل باب زنزانة مغلق، تبقى هناك عائلة كاملة محتجزة في الخارج، تعيش العقوبة ذاتها، ولكن بصمتٍ أطول وأشد وجعاً.