تقارير

الإبادة الإنجابية في غزة.. تراجع حاد في المواليد وارتفاع غير مسبوق في الإجهاض وسط تحذيرات من “انهيار ديموغرافي”

في ظل استمرار تداعيات الحرب في قطاع غزة، تتكشف مؤشرات ديموغرافية وصحية بالغة الخطورة، تعكس تحولات عميقة تمسّ البنية السكانية والصحة الإنجابية، حيث تشير بيانات وزارة الصحة إلى تراجع حاد في معدلات المواليد الأحياء، مقابل ارتفاع لافت في حالات الإجهاض، في مشهد يثير تحذيرات متزايدة من “انهيار إنجابي” ممتد.

وبحسب بيانات حصلت عليها صحيفة “فلسطين”، فإن شهر أبريل/نيسان 2026 سجل ولادة 2004 مواليد فقط، بانخفاض يقارب 67% مقارنة بشهر نوفمبر/تشرين الثاني 2025 الذي بلغ فيه عدد المواليد 6076 مولودًا. ويأتي هذا التراجع ضمن منحنى هابط بدأ منذ مطلع العام الجاري، إذ سجلت وزارة الصحة 5210 مواليد في يناير/كانون الثاني، ثم 3433 في فبراير/شباط، و3233 في مارس/آذار، وصولاً إلى 2004 في أبريل/نيسان، فيما أعلنت وزارة الداخلية تسجيل 1701 مولود فقط في مايو/أيار 2026.

وتُظهر البيانات أن هذا التراجع ليس طارئاً، بل امتداد لمسار بدأ مع اندلاع الحرب عام 2023، حيث انخفض عدد المواليد من نحو 57 ألفاً في عام 2022 إلى 54 ألفًا في 2023، ثم إلى 38 ألفًا في 2024، أي ما نسبته 38% من مستويات ما قبل الحرب. ورغم تسجيل ارتفاع نسبي في عام 2025 بلغ 50 ألفاً و200 مولود، فإنه بقي دون مستويات ما قبل الحرب بنسبة تراجع تقارب 13%، قبل أن تعود المؤشرات للهبوط مجدداً خلال عام 2026، حيث بلغ إجمالي المواليد بين يناير ومايو نحو 15 ألفاً و481 مولوداً فقط.

وقبل الحرب، كان المتوسط الشهري للمواليد يتراوح بين 4000 و4200 مولود، لكنه بدأ بالتراجع تدريجياً مع بداية العمليات العسكرية ليهبط إلى نحو 3800 مولود شهرياً، قبل أن يصل في الأشهر الأخيرة إلى مستويات تقارب 1701 مولود فقط في بعض الفترات، ما يعكس تغيراً جذرياً في النمط السكاني.

في المقابل، تكشف البيانات الصحية عن ارتفاع حاد في معدلات الإجهاض، إذ سجلت وزارة الصحة 921 حالة خلال أبريل/نيسان 2026 وحده، أي ما يعادل نحو 460 حالة لكل 1000 ولادة، بنسبة تقارب 46%. كما تم تسجيل نحو 6000 حالة إجهاض خلال عام 2025، مع متوسط شهري بين 500 و600 حالة خلال عام 2026، بزيادة تُقدّر بنحو 225% عن المعدلات الطبيعية.

وتشير الإحصاءات كذلك إلى تسجيل 457 حالة وفاة بين المواليد خلال عام 2025، فيما بلغ عدد وفيات المواليد 102 حالة منذ بداية 2026 وحتى أبريل/نيسان، ما يضيف بعداً آخر للأزمة الصحية المتفاقمة.

وفي هذا السياق، يحذر مدير مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة المهندس زاهر الوحيدي من خطورة استمرار هذا التراجع، معتبراً أنه “انحدار غير مسبوق في مؤشرات الصحة الإنجابية والأمومة”. ويؤكد أن الظروف الميدانية والصحية لم تتحسن رغم مرور أشهر على وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، مشيراً إلى استمرار نقص المساعدات، وتدهور التغذية، وغياب بيئة صحية آمنة للنساء الحوامل.

ويضيف الوحيدي أن سوء التغذية، وتلوث المياه، وانتشار الأوبئة، إضافة إلى ظروف النزوح القسري والعيش في الخيام، كلها عوامل ساهمت في زيادة حالات الإجهاض وانخفاض الخصوبة، إلى جانب الضغط النفسي الحاد الذي تعيشه النساء.

كما يشير إلى أن الأوضاع في شمال قطاع غزة أكثر خطورة، في ظل غياب مستشفيات متخصصة بالولادة، ما يضطر الحوامل إلى التنقل لمسافات طويلة في ظروف بالغة الصعوبة، الأمر الذي يضاعف المخاطر على حياتهن وحياة الأجنة.

ويرى أن استمرار هذه المؤشرات يعكس ما وصفه بـ”الإبادة الديموغرافية”، التي لا تقتصر على الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد لتشمل تفكيك شروط الحياة الطبيعية، بما فيها القدرة على الإنجاب والاستقرار الأسري. ويستند هذا الطرح إلى تقارير حقوقية دولية، بينها تقرير لمنظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” بالتعاون مع كلية الحقوق بجامعة شيكاغو، والذي أشار إلى أن أنماط العنف القائمة قد تندرج ضمن ما يُعرف بـ”العنف الإنجابي” الذي يرقى في بعض جوانبه إلى جريمة إبادة جماعية وفق القانون الدولي.

ويؤكد الوحيدي أن معالجة هذا التدهور تتطلب تدخلاً عاجلًا يشمل فتح المعابر، وإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية والغذاء، وتحسين ظروف المعيشة والصحة العامة، محذرًا من أن تعافي هذا القطاع الحيوي لن يكون سريعًا، بل يحتاج إلى وقت وإجراءات جذرية لإعادة بناء منظومة الصحة الإنجابية.

وبينما تتراجع أرقام المواليد وتتصاعد حالات الإجهاض، يبقى المشهد الإنساني في غزة مثقلاً بأسئلة أكبر من الإحصاءات، حول مستقبل الحياة نفسها في قطاع أنهكته الحرب، وأثقلت تفاصيله اليومية أعباء لا تتوقف عند حدود الجغرافيا أو السياسة.

المصدر: صحيفة فلسطين.