أخبار المنطقة

بين المعابر المغلقة والموت المؤجل.. مرضى غزة رهائن الحسابات السياسية

غزة _ الوعل اليمني

في وقت تتواصل فيه الجهود السياسية والدبلوماسية لإدارة ملفات الحرب والتهدئة في قطاع غزة، يواجه آلاف المرضى والجرحى معركة مختلفة لا تقل قسوة عن الحرب نفسها؛ معركة البقاء على قيد الحياة. وبينما تتعثر إجراءات السفر وتتقلص فرص العلاج خارج القطاع، تتزايد التحذيرات من كارثة إنسانية وصحية تهدد حياة آلاف الفلسطينيين الذين ينتظرون دورهم في قوائم الإجلاء الطبي، وسط اتهامات لإسرائيل بعرقلة سفر المرضى وتحويل حق العلاج إلى ملف يخضع للاعتبارات الأمنية والسياسية.

وتكشف الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة في غزة حجم الأزمة المتفاقمة، إذ بلغ عدد التحويلات الطبية الموثقة للعلاج خارج القطاع حتى 20 مايو/أيار الماضي نحو 17 ألفاً و757 حالة، فيما لم يتمكن من المغادرة سوى 3226 شخصاً فقط، بينهم 1204 مرضى، بينما كان الباقون من المرافقين. وتصف الوزارة هذا الواقع بأنه “فجوة إنسانية خطيرة” تتسبب يومياً في فقدان المزيد من الأرواح.

أزمة صحية

لا تنفصل أزمة المرضى في غزة عن المشهد السياسي والأمني الأوسع الذي يحيط بالقطاع. فمع استمرار القيود المفروضة على حركة السفر، وتراجع القدرة التشغيلية للمعابر، أصبحت رحلة العلاج بالنسبة لآلاف المرضى أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

ويؤكد وكيل وزارة الصحة المكلف، الدكتور ماهر شامية في مؤتمر صحفي عقد في ساحة مجمع الشفاء الطبي غربي مدينة غزة، أن إجراءات التدقيق الأمني وتقليص أيام السفر عبر المعابر أدت إلى انخفاض حاد في أعداد المغادرين، رغم تزايد الاحتياجات الطبية الطارئة. ويشير إلى أن السفر عبر معبر رفح بات يقتصر في أفضل الأحوال على ثلاثة أيام أسبوعياً، فيما خُصص يوم واحد فقط للإجلاء الطبي عبر معبر كرم أبو سالم.

وبحسب مسؤولين صحيين، فإن هذه القيود لا تؤخر العلاج فحسب، بل تؤدي إلى تدهور الحالات المرضية وتحويل أمراض قابلة للعلاج إلى أحكام موت مؤجلة.

مستشفيات منهكة

وفي موازاة أزمة السفر، يعاني القطاع الصحي في غزة من تراجع غير مسبوق في قدراته التشغيلية نتيجة الدمار الذي طال المستشفيات والمراكز الطبية خلال الحرب، إضافة إلى النقص الحاد في الأدوية والمستهلكات الطبية والوقود اللازم لتشغيل الأقسام الحيوية.

وتواجه أقسام الأورام والقلب والأعصاب والكلى ضغوطاً متزايدة، في ظل محدودية الإمكانات وعدم توفر العديد من الخدمات التخصصية التي تتطلبها الحالات الحرجة. ويؤكد أطباء أن مئات المرضى يحتاجون إلى تدخلات عاجلة لا يمكن توفيرها داخل القطاع، ما يجعل السفر للعلاج خياراً وحيداً لإنقاذ حياتهم.

وجوه خلف الأرقام

وراء الإحصاءات الرسمية تقف قصص إنسانية مؤلمة تختصر حجم المأساة. فالطفل صهيب أبو هربيد، الذي كان يعاني في البداية من التهاب بالأعصاب، تحولت حالته تدريجياً إلى شلل رباعي كامل بعد تأخر حصوله على العلاج المناسب خارج القطاع، وفق ما تروي والدته. التي حضرت المؤتمر، ولم تتوقف معاناته عند ذلك، إذ أصيب بانسداد في المريء، ما ضاعف المخاطر التي تهدد حياته.

أما الجريح محمد مطر، فما زالت الشظايا مستقرة في جسده منذ إصابته خلال الحرب. ويقول إن الأطباء حذروه من أن استمرار التأخير في السفر قد يترك مضاعفات دائمة وربما يؤدي إلى فقدان أجزاء من أطرافه، في وقت لم تعد فيه العلاجات المتاحة داخل غزة قادرة على تلبية احتياجاته الطبية.

وتعكس هذه الحالات جانباً من معاناة آلاف المرضى الذين ينتظرون فرصة عبور قد تأتي متأخرة، أو لا تأتي إطلاقاً.

بين الإنسانية والسياسة

وتحمّل وزارة الصحة في غزة إسرائيل المسؤولية الرئيسية عن تفاقم الأزمة، معتبرة أن القيود المفروضة على السفر وسياسات التدقيق والإجراءات المعقدة تعيق وصول المرضى إلى الخدمات الصحية المتخصصة خارج القطاع.

وفي المقابل، تتزايد دعوات المؤسسات الصحية والحقوقية للضغط من أجل فتح المعابر أمام الحالات الإنسانية بشكل منتظم، وتسهيل إجراءات الإجلاء الطبي بعيداً عن التجاذبات السياسية.

كما تطالب الوزارة بإعادة تفعيل آليات العلاج في الخارج كما كانت قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى جانب تعزيز دور الجهات الدولية والسفارات الفلسطينية في متابعة أوضاع المرضى وتأمين احتياجاتهم العلاجية بعد مغادرتهم القطاع.

سباق مع الزمن

ومع استمرار تكدس آلاف الملفات الطبية على قوائم الانتظار، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التعقيد في حال لم تُتخذ خطوات عاجلة لمعالجتها. فكل يوم يمر دون توسيع فرص السفر والعلاج يعني مزيداً من التدهور الصحي، ومزيداً من العائلات التي تراقب أبناءها وهم يخوضون معركة غير متكافئة مع المرض.

وبين المعابر المغلقة والأسرّة المكتظة والوعود الدولية المتكررة، يبقى آلاف المرضى في غزة عالقين في منطقة رمادية بين الأمل واليأس، ينتظرون قراراً قد يمنحهم فرصة جديدة للحياة، أو يضيف أسماء جديدة إلى قائمة الضحايا الصامتة.