كشفت وثائق رسمية بريطانية نُشرت مؤخراً عن خلافات عميقة داخل حكومة حزب العمال بشأن التعامل مع الحرب على قطاع غزة، مسلطةً الضوء على تجاهل تحذيرات متكررة بشأن الكارثة الإنسانية والطبية في القطاع، مقابل حالة من التوتر والانقسام داخل دوائر صنع القرار في لندن.
وتأتي هذه الوثائق في إطار الكشف عن مراسلات مرتبطة بملف تعيين السياسي البارز بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة، وهو الملف الذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية البريطانية، قبل أن يفضي إلى نشر وثائق ومراسلات داخلية كشفت جانباً من النقاشات الحكومية المتعلقة بغزة.
تحذيرات تحت التجاهل
وأظهرت المراسلات المتبادلة بين ماندلسون وعدد من المسؤولين الحكوميين انتقادات حادة وُجهت إلى وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ، على خلفية محاولاته المتكررة دفع الحكومة إلى التعامل بجدية أكبر مع التقارير الطبية والإنسانية الواردة من قطاع غزة.
وبحسب الوثائق، فقد قدّم ستريتينغ لزملائه في الحكومة ملفات وشهادات أعدها أطباء بريطانيون عملوا داخل مستشفيات القطاع، تضمنت روايات تفصيلية عن الأوضاع الصحية المتدهورة والإصابات الواسعة في صفوف المدنيين، ولا سيما الأطفال.
إلا أن هذه الجهود، وفق تصريحات ستريتينغ لاحقاً، لم تلقَ الاستجابة المطلوبة داخل الحكومة، إذ قال إنه شعر مراراً بأن محاولاته كانت “تصطدم بجدار من الطوب”، في إشارة إلى غياب الإرادة السياسية للتعامل مع التحذيرات التي نقلها.
وأضاف أن شهادات الأطباء لم تكن مجرد تقارير عابرة، بل وثائق ميدانية تستوجب أن تُعرض على أعلى المستويات الحكومية لضمان عدم تجاهل ما يجري على الأرض في غزة.
ملف طبي صادم
واحتوى الملف الذي جرى تداوله داخل مجلس الوزراء على شهادات ثلاثة أطباء بريطانيين، بينهم جراحون عملوا في مستشفيات كبرى داخل المملكة المتحدة وشاركوا في مهام طبية داخل قطاع غزة.
وتضمنت الشهادات وصفاً لعمليات جراحية أُجريت لأطفال مصابين في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، فضلاً عن صور وتقارير توثق حالات سوء تغذية وإصابات بليغة وبتر أطراف بين الأطفال.
وأكد الأطباء، وفق ما ورد في الوثائق، أنهم لم يشهدوا خلال سنوات عملهم في مناطق نزاع مختلفة مستويات مماثلة من الإصابات الجماعية بين الأطفال، مشيرين إلى أن نسبة كبيرة من الضحايا الذين استقبلتهم المستشفيات كانت من الفئات العمرية الصغيرة.
صراع داخل السلطة
في المقابل، كشفت الرسائل المنشورة عن موقف مغاير تبناه ماندلسون، الذي انتقد بشدة تحركات ستريتينغ، ووصف رسائله المتعلقة بغزة بأنها “هستيرية” وتعكس، بحسب تعبيره، “ضعفاً في النضج السياسي”.
كما أظهرت المراسلات تبادل تعليقات ساخرة بشأن إصرار وزير الصحة السابق على توزيع مذكرات ومقاطع مصورة تتعلق بالأوضاع الإنسانية في القطاع على أعضاء الحكومة.
وتعكس هذه المواقف، بحسب مراقبين، حجم الانقسام داخل المؤسسة الحاكمة البريطانية حول كيفية التعامل مع الحرب على غزة، بين تيار يدعو إلى تبني مواقف أكثر وضوحاً تجاه الكارثة الإنسانية، وآخر يفضّل تجنب خطوات قد تُحدث توترات سياسية أو دبلوماسية.
تداعيات سياسية
ولم تقتصر التسريبات على ملف غزة، إذ أظهرت بعض الرسائل انتقادات وجهها ماندلسون لرئيس الوزراء كير ستارمر نفسه، حيث وصفه في إحدى المراسلات بأنه “محاصر” داخل مقر الحكومة، معتبراً أن القيادة السياسية تفتقر إلى الحماس والحسم في إدارة الملفات الكبرى.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه ستارمر ضغوطاً متزايدة داخل حزب العمال، خصوصاً بعد تراجع شعبية الحزب وخسائره في الانتخابات المحلية الأخيرة، ما أعاد فتح النقاش حول مستقبل القيادة الحزبية خلال المرحلة المقبلة.
كما أسهمت استقالة ستريتينغ ومواقفه العلنية اللاحقة في تعزيز الجدل بشأن كيفية تعامل الحكومة البريطانية مع الحرب على غزة، ومدى تأثير الحسابات السياسية الداخلية على المواقف المرتبطة بالقضايا الإنسانية وحقوق الإنسان.
أسئلة حول القرار البريطاني
ويرى متابعون أن أهمية الوثائق لا تكمن فقط في مضمونها الإنساني، بل في كشفها طبيعة آليات اتخاذ القرار داخل الحكومة البريطانية خلال واحدة من أكثر الأزمات الدولية إثارة للجدل في السنوات الأخيرة.
كما تثير التسريبات تساؤلات حول مدى تأثير الخلافات الشخصية والسياسية داخل دوائر الحكم على التعاطي مع التقارير الميدانية والتحذيرات الإنسانية، في وقت تتواصل فيه المطالبات بمراجعة السياسات البريطانية المتعلقة بالحرب على غزة.
وفي ظل استمرار الجدل السياسي والإعلامي حول مضمون هذه الوثائق، تبدو حكومة ستارمر أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على تفسير أسباب تجاهل تلك التحذيرات، والرد على الانتقادات التي تتهمها بالتأخر في الاستجابة لمؤشرات الأزمة الإنسانية المتفاقمة في القطاع.
المصدر : وكالات .



